اكتسحت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، ففازت ب76 مقعداً من جملة مقاعد المجلس التي تبلغ 132 مقابل 45 لحركة فتح، واقتسم المستقلون وأربعة أحزاب أخرى 13 مقعداً.
وأحدثت النتيجة زلزالاً سياسياً داخل الأراضي المحتلة، فقد اعتاد الفلسطينيون على سلطة واحدة لم تتغير هي فتح، كما اعتاد قادة فتح على ممارسة السلطة وكأنهم خلقوا لها من دون الناس، ومارسوا ما شاءوا من أصانيف الفساد واستغلال النفوذ والعمل خارج القانون مثل الذي يعرف في الأنظمة العربية السلطوية.
وأربكت النتيجة حسابات الحكومات الإقليمية والدولية مما يضطرها إلى مراجعة سياساتها في المنطقة وكيفية التعامل مع السلطة الفلسطينية الجديدة.
وقد ظهر التناقض في التصريحات الأوروبية والأميركية قبيل الانتخابات وبعدها فقد كانت الأولى موجهة إلى الشعب الفلسطيني كي لا يصوت لحماس والثانية موجهة لحماس لتغير من خطها المتشدد إزاء إسرائيل.
ولا أدرى متى يفهم الغرب وخاصة أميركا أن محاولاتهم للتدخل في اتجاهات الرأي العام العربي تأتى دائما بنتائج عكسية، فمن الأفضل لهم ألا يتدخلوا إطلاقاً أو أن يقولوا عكس ما يريدون!
فربما أضر بحماس لو قالوا للفلسطينيين صوتوا لها أو أنهم بذلوا لها تلك الملايين من الدولارات التي أعطوها لمرشحي فتح وقالوا كذباً بأنهم يساعدون بها العناصر الديمقراطية، متى اعترفوا بوجود عناصر ديمقراطية بين ظهرانينا؟
لقد تجاوز الشعب الفلسطيني مقولة ألا بديل لفتح لأن إسرائيل والقوى الدولية لن تتعامل مع غيرها، لقد أهانت إسرائيل والدول الغربية سلطة فتح كما لم تهن حركة ثورية من قبل، يكفي أنها وقفت متفرجة على حصار أبي عمار في مكتبه وهدم المبنى من حوله برام الله لشهور طويلة حتى مماته!
ولابد أن التصويت الكاسح لحماس كان لأسباب وجيهة، فقد كانت هناك خيارات أخرى غير حماس لم تجد تأييدا يذكر في أوساط الناخبين. أثبتت حماس جدارتها برفع شعار المقاومة الشعبية ضد الاحتلال واغتصاب الأرض وضحت بالكثير من الشهداء والمعتقلين منذ منتصف الثمانينات، وقدمت خدمات اجتماعية للفقراء والمرضى والطلاب.
ورفضت رغم الاستفزازات أن تريق الدماء الفلسطينية بأيد فلسطينية، ووقفت بصلابة مع الثوابت الفلسطينية: تحرير الأرض وعودة اللاجئين وإطلاق سراح السجناء والمعتقلين وإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس.
وقبل أن نستطرد القول عن ماذا بعد هذا الفوز؟ ينبغي أن نشيد بموقف الرئيس الفلسطيني محمود عباس الذي أصر على إقامة الانتخابات التشريعية في موعدها حسب ما اتفق عليها بين الفصائل في القاهرة، وكان بإمكانه أن يتذرع في تأجيلها بالاتفاق مع إسرائيل لتمنع تصويت الفلسطينيين في القدس المحتلة.
ماذا ينبغي على حماس أن تعمل لتكون جديرة بالثقة الفلسطينية، ولتبرهن للعالم أن لديها من الحنكة والنضج السياسي ما يؤهلها لهذا الوضع الجديد غير المسبوق في الساحة الفلسطينية.
العالم كله يترقب والأعداء في الداخل والخارج يتمنون لها الفشل الذريع حتى يعود المطلب القديم الذي سيسكت عنه في الوقت الحاضر وهو تصفية قواعد «الإرهاب» قبل التفاوض الجاد مع أي سلطة ترث حماس. لقد أحسنت حماس بدعوتها لقيام حكومة وحدة وطنية تشترك فيها كل أو معظم الفصائل الممثلة في المجلس التشريعي.
وقد سبق أن اتفق على ذلك بين الفصائل في القاهرة، وعليها أن تكون كريمة في هذه المشاركة حتى تضمن إجماعاً وطنياً حول سياسات الحكومة.
وأن يكون لتلك الحكومة برنامج سياسي واقتصادي واجتماعي يمثل الحد الأدنى الذي يمكن الاتفاق عليه بين كل الفصائل، بما في ذلك التي تقف خارج الحكومة.
وأن يكون قابلاً للتنفيذ في المدى الزمني للمجلس التشريعي الجديد، أي أنه برنامج لسنوات قليلة لا تتجاوز الأربع أو الخمس. وأن تحرص حماس على درجة عالية من التفاهم مع الرئيس محمود عباس لأنه شريك في السلطة التنفيذية بحكم الدستور فهو يمسك بملف الأمن وملف العلاقات الخارجية.
وذلك رغم الاختلاف الكبير بين توجه حماس وقناعات الرئيس الفلسطيني التي مارسها زمنا دون أن تحقق له شيئا حتى الآن، ولأنه يتمتع بمصداقية داخلية وخارجية تسهل للدول الكبرى التعامل معه في المرحلة الأولى قبل أن يطمئن قلبها للتفاوض مع حماس.
ولا ينبغي الاستعجال في فتح ملف العلاقات مع إسرائيل والغرب في البداية فمن الخير لحماس أن تقوي موقفها الداخلي والإقليمي قبل أن تدخل في مفاوضات شائكة مع العدو أو من يمثلونه.
وأن تلتزم بالهدنة المعلنة على أن تكون هدنة متبادلة وليس من طرف واحد كما كان الحال سابقا. وأن تكون الأسبقية لإصلاح الوضع الداخلي بمحاربة الفساد واستغلال النفوذ والمحسوبية في توزيع غنائم السلطة والتسيب في الأداء وإنعاش الحالة الاقتصادية والانحياز إلى الفقراء والضعفاء والعطالى.
والسعي لإعمار العلاقات الإقليمية مع كل دول الجوار العربية بالإضافة إلى تركيا وإيران، ولا تتوقع منهم أكثر مما يستطيعونه فقد استسلموا للأمر الواقع وشغلوا بأنفسهم!
ولقد دلت التجربة الطويلة الماضية أن إسرائيل تطالب بدفع الثمن مقدما فقط من أجل الجلوس مع الطرف الفلسطيني لمفاوضته، وتكون النتيجة أن يفقد ذلك الطرف كروته التفاوضية دون أن يكسب شيئا، ومن المعروف عن الإسرائيليين أنهم لا يعطون شيئا دون مساومة قاسية يكسبون منها أكثر من الطرف الآخر.
لذا لا ينبغي لحكومة حماس أن تدخل ذلك المأزق فهي حكومة جديدة بسياسة جديدة ومن حقها فتح كل القضايا السابقة واللاحقة، ولكن عليها في كل الأحوال أن تحمل الشعب الفلسطيني معها بالتنوير عن مجريات الأمور والشفافية في المواقف والتشاور مع الفعاليات والقوى السياسية داخل البرلمان وخارجه. وأخيرا «برافو» حماس على هذا النصر المؤزر والمستحق بجدارة، ولا نامت أعين الجبناء!
كاتب سوداني