ما إن خرج الوضع الفلسطيني من استحقاق الانتخابات، حتى دخل في تعقيدات تشكيل الحكومة. قبل أن ينتهي من نفض غبار الأولى عنه، وجد نفسه وسط منطقة الضباب الكثيف للثانية. اجتاز التحدّي الأول بامتياز؛ لكنه يقف متعثراً أمام الانتقال إلى السلطة.
الحاجز الرئيسي الذي يعترض النقلة، يكمن في الشروط المنهمرة من كل صوب. من الخارج والداخل. الخارجية منها عالية السقف ولا تخلو من الابتزاز والتعجيز. والداخلية متذبذبة وملتبسة، من قِبل الجانبين في الساحة الفلسطينية. وهذا مفهوم في ضوء الخلفية المعروفة.
لكن لا بُدَّ لهذه الخلفية أن يكون لتحكّمها بالمعادلة حدود. فالأمور بالأولويات. والواقع على الأرض عنيد. وفوق كل ذلك، التحديات خطيرة ومصيرية.
والخارج، من أميركي إلى أوروبي إلى إسرائيلي؛ يراهن على الفجوات الفلسطينية، لتصعيد شروطه. ولا سبيل لتليين هذه الشروط، أو على الأقل لنزع طابعها التعجيزي، إلا بحلحلة الشروط الداخلية المتبادلة.
العثور على صيغة تقارب وتفاهم فلسطيني، على قاعدة تغليب المصلحة الفلسطينية المستهدفة في النهاية، هو المفتاح لذلك. البديل هو الغرق في حرب الشروط والشروط المضادة، التي تتغذى عليها الإملاءات الخارجية، والتي لا تؤدي إلا إلى حالة الانسداد وزيادة التمزق الداخلي. وفي أحسن الحالات إلى صالح المراوحة؛ كما في الحالتين العراقية واللبنانية.
والوضع الفلسطيني لا يقوى على ترف المراوحة. فالانتخابات الإسرائيلية على الأبواب: 28 مارس المقبل. المتنافسان الرئيسيان كلاهما، الليكود وكاديما له برنامجه الجاهز، المعلن. الأول صدامي والثاني أحادي. نتانياهو يرفع شعار المواجهة مع المعادلة الفلسطينية الجديدة.
وأولمرت يعلن اعتزامه رسم حدود إسرائيل «النهائية»، في حدود سنة أو سنتين على الأكثر، لو فاز برئاسة الحكومة. يصبّ في هذا التوجه الإسرائيلي أو ذاك طوفان الاشتراطات الرباعية والسداسية الأوروبية والأميركية؛ ناهيك عن التحركات في الكونغرس الأميركي لاستصدار قوانين تقضي بـ «إقفال مكتب (م.ت.ف) في واشنطن».
وفرض قيود على المساعدات الأميركية للسلطة الفلسطينية؛ مع التشدد في التعامل ومنح تأشيرات السفر لعناصر «حماس» وغير ذلك من أوراق الضغط والحصار.
والخشية أن تجرى الانتخابات الإسرائيلية وتتمخض عن حكومة جديدة تباشر وضع برنامجها موضع التنفيذ؛ فيما الوضع الفلسطيني يواصل حروب المطالب والفيتوات. وهي خشية تجد ما يبررها في الالتباس والتضارب اللذين رافقا التراشق بالتصريحات بين الفرقاء المعنيين.
ثمة قرارات فلسطينية صعبة وربما مؤلمة، لا بُدَّ لأطراف الساحة من اتخاذها. فاللحظة لها أولويتها. وهذه لها مستلزماتها. على رأسها الاستعداد المتبادل للالتقاء في منتصف الطريق. وإلا فلا مخرج ولا طريق.