أكثر ما يلفت النظر بخصوص الفوز الكاسح لحماس هو حالة الهلع التي أصابت الكثيرين عالمياً وعربياً. وإذا كانت الدول الغربية قد بادرت بتوجيه التهديدات والإنذارات لحماس رغبة منها في حماية الدولة العبرية وتطمينها، فإن اللافت للنظر هنا حالة الصمت والترقب التي أصابت الكثير من الأنظمة العربية تجاه هذا الفوز.
بل إن الأمر وصل ببعض هذه الأنظمة إلى حد التوجس من انتصار حماس، ولم يبق لها سوى توجيه الاتهامات لحماس بالإرهاب أسوة بما تقوم به أميركا ورديفها الأوروبي.
ما الذي يخيف بعض الأنظمة العربية من حركة حماس بمثل هذا الشكل، وما الذي يثير مثل هذه الحملة الضارية على فوز تنظيم محدود لشعب مغلوب على أمره، وواقع تحت أقسى أشكال الاحتلال ضراوة وعنفا ودموية؟
وما الذي يجعل أميركا وأوروبا تتغافل عن الممارسات الإسرائيلية العنصرية ضد الشعب الفلسطيني، وتندفع نحو تهديد حماس، وتهديد الشعب الفلسطيني برمته بقطع المعونات عنه إذا لم تعترف حماس بإسرائيل وتوقف مقاومتها لها، وهل مقاومة حماس، على محدوديتها، أصبحت تخيف هذه العالم بمثل هذا الشكل؟
واقع الأمر أن حماس، ذلك التنظيم الصغير المحدود، قد أصاب معظم المنطقة العربية بحالة من التناقض الوجداني؛ فبعض الأنظمة العربية التي تمتلك الجيوش الجرارة والمعدات العسكرية الحديثة.
وهي في أعماقها ترفض إسرائيل وممارساتها القمعية، وربما تتمنى مقاومتها، لكنها في المقابل لا تتحدث سوى عن لغة السلام مع إسرائيل، ولا تردد إلا ما يتوافق مع رغبة الإدارة الأميركية والجماعة الأوروبية.
بل إن البعض منها قد ارتضى سلاما منقوصا مع الدولة العبرية، متحولاً إلى أداة من أجل تحقيق سلامة الدولة العبرية وتأمين حدودها. في مقابل ذلك، فإن حماس تفرض لغة مغايرة، أمام غطرسة الاحتلال الإسرائيلي، وممارساته القمعية العنصرية.
نحن هنا أمام خطاب عربي مختلف كلية عن خطابات الخنوع. فمن غير حماس يقول إذا اعتدت إسرائيل سوف نعتدي عليها، ومن غير حماس يقول إذا اعتدت إسرائيل على المدنيين الفلسطينيين فسوف نعتدي على المدنيين الإسرائيليين.
ومن غير حماس يعلن على الملأ بأنه لا شارون ولا غيره من قادة إسرائيل يمكنه أن يحمي المدنيين الإسرائيليين من أعمال المقاومة الفلسطينية.
ومن غير حماس يعلنها على الملأ بأنه سوف يرد ويضرب في العمق الإسرائيلي في الوقت والزمان المناسبين لذلك، ومن غير حماس أذاق الإسرائيليين ويلات العمليات الاستشهادية في العمق الإسرائيلي طوال السنوات الماضية.
والأمر الذي لا يمكن إنكاره هنا، أن حماس دفعت وما زالت تدفع ثمنا باهظا جراء مقاومتها لإسرائيل من دماء شهدائها الذين لا يمر يوم من دون أن يتساقط أحد منهم، بدءا من القادة الكبار والمؤسسين للحركة، إلى الأجيال الأحدث والأصغر سنا، مرورا بالأطفال والنساء والشيوخ.
فلم يكن قادة حماس منفصلين في ضريبة الدم عن باقي أعضائها. واللافت للنظر هنا أنه في غمرة حديث الصحافة العربية عن انتصار حماس، وفي إطار هؤلاء الكتاب الخانعين الذين هاجموها، لم يتحدث أحد عن استشهاد أبرز قيادييها، الشيخ المقعد أحمد ياسين مؤسس الحركة، وخليفته عبدالعزيز الرنتيسي.
ما حدث طوال الأيام الماضية لم يكن مرتبطا بانتصار حماس ذاتها قدر ارتباطه برغبة البعض بوقف حالة المقاومة التي تنتهجها حماس في وجه الاحتلال الإسرائيلي العنصري. فالعالم العربي تُعاد صياغته بجملة أفكار جديدة ليس من بينها المقاومة.
حيث شعار هذه المرحلة هو الانخراط في التفاوض طالما أننا ليس على مستوى قوة وتسليح إسرائيل. ويصل الأمر بالبعض إلى استجداء حالة التفاوض بإسرائيل، فهذا الاستجداء بالنسبة لهم أفضل من رفع السلاح وانتهاج شعار المقاومة.
وفي مرحلة تالية، وإذا لم ينفع التفاوض مع إسرائيل، فإن علينا تنشيط الاتصالات مع أميركا وإلى حد ما أوروبا، من أجل ممارسة بعض الضغوط على إسرائيل.
ووفقا لهذه الحالة الاستخزائية التي ترتبط بالزمن العربي الردئ، فإن المقاومة لن تفيد شيئا، ولن يستطيع الفلسطينيون الحصول على أي شيء من خلال السلاح. من هنا يأتي التأكيد الملح على المفاوضات والدعوات الهستيرية إلى تدعيم مسيرة السلام ونبذ العنف.
غير مرغوب في عالمنا العربي اليوم استعمال كلمة المقاومة التي تسبب إزعاجاً كبيراً لبعض الأنظمة العربية، وتدفع أميركا وأوروبا إلى الضغوط المتتالية على هذه الأنظمة لوقف أعمال المقاومة سواء ضد الاحتلال الإسرائيلي أو الاحتلال الأميركي في العراق وأفغانستان.
المطلوب أن يستكين العالم العربي ويهدأ، ويجلس بعضه كالأطفال في حضرة الإدارة الأميركية وهم صاغرون حينما يتلقون الأوامر الأميركية بعمل هذا ونبذ ذاك.
لقد كشف انتصار حماس عن رغبة أميركية غربية كاسحة في وقف أعمال المقاومة من جانب، وعن ترسانة التهديدات الغربية الجاهزة ضد الآخرين من جانب آخر. فبعد إعلان الانتخابات جاءت التهديدات بوقف المعونات الأميركية والأوروبية عن الشعب الفلسطيني.
لم تأت التهديدات من أجل مصلحة الشعب الفلسطيني، بل جاءت من أجل حماية إسرائيل، ومن أجل سواد عيونها. لم تعلق أميركا أو الاتحاد الأوروبي على تهديدات إسرائيل بقتل وزراء حماس القادمين، ولم يعلق أحد عن خروقات الهدنة الإسرائيلية اليومية ضد الشعب الفلسطيني، ولم يعلق أحد على تطمينات حماس للمجتمع الدولي.
وعلى ما يبدو أن الديمقراطية الحقيقية التي تتحلى بها أميركا والغرب اليوم هي ديمقراطية الحق في ممارسة الوقاحة والصفاقة ضد الآخرين، وإملاء الشروط والاستحقاقات عليهم بغض النظر عما يصيبهم.
لم تصل حماس إلى سدة الحكم بالغش والتزوير مثلما يحدث في كثير من الأنظمة العربية التي تغض أميركا الطرف عن جملة ممارساتها القمعية، بل وصلت بأصوات حقيقية غير مشكوك فيها من جانب الناخب الفلسطيني، ورغم كل ذلك، فإن التشكيك والملاحقة من جانب أميركا وأوروبا كانا هما الرد الوحيد على انتصار حماس.
إن حالة التشهير التي يقودها البعض ضد حماس الآن ليست لها أية علاقة بالعقلانية أو الإرهاب أو مستقبل المنطقة بشكل عام وفلسطين بشكل خاص، قدر ارتباطها بحالة الهلع التي تصيب البعض حينما يسمع كلمة المقاومة.
اللافت للنظر هنا أيضا أن البعض قد نصب نفسه مدافعا عن الشعب الفلسطيني وموجها النصائح له بما سوف يحدث بعد الصعود الحماسي لسدة الحكم. فمن قائل بأن حماس سوف تتحول إلى «حماسان» على وزن حركة «طالبان».
ومن قائل إنها سوف تقمع الآخرين بتوجهاتها الإسلامية، مع التذكير والتأكيد الخبيث على وضع المسيحيين في فلسطين، ومن قائل إنها سوف تصفي حساباتها مع الفصائل الأخرى... إلخ من قائمة النصائح والاتهامات التي سطرتها أقلام هؤلاء الكتاب طوال الأيام الماضية.
إن حماس أمر واقع، كما أن فتح أمر واقع، كما أن المقاومة أمر واقع لا تحدده بعض الأنظمة العربية ولا تستطيع أن تمنعه أميركا أو غيرها من التوابع الأوروبية.
لقد انتخب الشارع الفلسطيني خيار المقاومة وهو ينتخب حماس، وعلى العرب قبل غيرهم أن يعضدوا هذا الخيار ويؤيدوه، وأن يمنحوه القدرة على النجاح والاستمرارية بديلا عن حالة الصمت المريب تجاه انتصار حماس.
كاتب مصري