ما تبديه الإدارة الأميركية وبعض العواصم الأوروبية من ردود فعل وتحفظات على فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية لا يمكن النظر إليه إلا من باب النفاق السياسي، خاصة إذا ما أخذت في الحسبان الدعوات المتتالية التي يطلقها هؤلاء لاعتماد الديمقراطية والشفافية في الانتخابات.
أولاً، حماس فازت في انتخابات ديمقراطية مشهودة ولا غبار عليها، باعتراف دعاة الديمقراطية أنفسهم، بمعنى أنها حازت الثقة المطلقة للشعب الفلسطيني.
ثانياً، الشعب الفلسطيني هو الذي يختار قيادته، ويحدد خياراته، وليس أي دولة أو جهة أخرى، مهما تكن الأسباب.
وعليه، لماذا هذه الاشتراطات الأميركية والأوروبية على حماس؟ ولماذا هذه المحاولات لابتزازها، وإخضاعها للمشيئة الاحتلالية الإسرائيلية؟
فحماس مطلوب منها الاعتراف بـ«إسرائيل»، والتوقف عن مقاومة الاحتلال، والتخلي عن السلاح، والقبول بما تريده «إسرائيل» بما في ذلك الاستيطان وما يمثله من احتلال مباشر، ومطلوب منها أشياء أخرى كثيرة لاحقة لم يحن بعد موعد طرحها.
وفي المقابل لا أحد من هؤلاء يطالب الإسرائيليين بأي شيء، تجاه حماس، ولا تجاه الشعب الفلسطيني المعتدى عليه بوجه عام، وبشكل أدق لماذا لا يطالبون «إسرائيل» بأن تعترف بشرعية نتائج الانتخابات، وأن تتوقف عن ملاحقة الفلسطينيين بصواريخ القتل والتدمير؟ لماذا لا يطالبون «إسرائيل» بأن تلتزم الشرعية الدولية التي تجيز مقاومة المحتلين بكل السبل المتاحة، وتجيز الدفاع عن النفس، وتلزم المحتلين توفير الحماية للسكان المدنيين الواقعين تحت الاحتلال؟
«إسرائيل» هي الطرف المعتدي وليس الشعب الفلسطيني، وهي التي ترفض السلام، وتعتمد القوة العسكرية وحدها وسيلة للحسم، و«إسرائيل» هي التي تقتل الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، بصواريخ الطائرات وقذائف الدبابات، ورصاص القنص، بينما لا تمتلك المقاومة سوى إيمانها بعدالة قضيتها وحق شعبها في الوجود، وأسلحة فردية خفيفة و«صواريخ ورشات الحدادة»، فمن الذي يجب أن يجرد من السلاح أو تفرض عليه شروط لاستخدام السلاح على أقل تقدير «إسرائيل» أم حماس؟
المسألة من أولها إلى آخرها مسألة احتلال، ولا علاقة لحماس بكل ما يقال، ويطرح من اشتراطات، فقبل حماس، وقبل فتح، وقبل الانتفاضة الأولى عام 1987 كيف كان الوضع وهل هو أفضل من الآن؟ بالتأكيد لا.
إن ما تشترطه «إسرائيل» الآن على حماس سبق أن اشترطته على فتح ولم يحقق الشعب الفلسطيني شيئاً من حريته وسيادته، ويمكن الجزم بأن الظرف أكثر ملاءمة الآن لإسماع صوت هذا الشعب المظلوم للعالم، وللإسرائيليين بالذات ولا سيما أنهم يرفضون مجرد الحديث عن السلام، ويصرون على الاحتلال والاغتصاب والقتل والتشريد والتجويع.