جاء تهديد جبهة التوافق العراقية بتنظيم عصيان مدني‏,‏ إذا لم يتم حل الميليشيات والإفراج عن المعتقلين‏,‏ تعبيرا قويا عن حالة الاحتقان السياسي والاجتماعي التي يثيرها وجود الميليشيات المسلحة بما تشكله من تهديد أمني واجتماعي وسياسي‏,‏ خاصة بعد كل ما أثير حول دورها في التجاوزات التي وقعت في أثناء الانتخابات العامة في العراق‏.‏ كما جاء هذا التهديد تعبيرا عن الرفض لاستمرار اعتقال الآلاف من المواطنين العراقيين في دولة من المفترض أن عملية إعادة بنائها تنهض علي أساس احترام الحريات وحقوق الإنسان بما يستدعي إنهاء الاعتقالات السياسية‏.‏

والحقيقة أن العراق يقف أمام لحظة شديدة الحرج ضمن حالته الحرجة عموما‏,‏ التي وضعته علي حافة الهاوية منذ الغزو والاحتلال الأمريكي ـ البريطاني له‏.‏ فمنذ إجراء الانتخابات بكل ما شابها من تجاوزات‏,‏ تتعرض عملية إعادة بناء الدولة لصعوبات جمة تنطلق غالبيتها من تصاعد الرغبات الطائفية والعرقية في الاستحواذ والسيطرة علي مراكز الحكم بصورة غير عادلة‏,‏ وأيضا من وجود الاحتلال الأجنبي الذي يضرب مصداقية كل إجراءات إعادة البناء التي تتم في ظله‏.‏

وإذا كانت القوي السياسية الفاعلة في العراق تمتلك إرادة حقيقية لإعادة بناء الدولة العراقية الموحدة بصورة ديمقراطية‏,‏ فإن ذلك يتطلب إزالة الحساسيات التي تولدت في الفترة الماضية‏,‏ ويتطلب أيضا صيغة توافقية متوازنة في الحكم لأن الدولة العراقية نفسها موجودة كصيغة توافقية بين كل أبناء الطوائف والأعراق التي يضمها العراق والتي تكتسب قوتها الاقتصادية والسياسية من وجودها في إطار هذه الدولة الموحدة التي ينبغي أن يحرص الجميع علي وحدتها وعلي إعادة بنائها بصورة ديمقراطية وعادلة لكل أبنائها‏.‏