لا يمر يوم إلا ويفقد معظمنا أعصابه لأبسط الأمور، ويشعر بالغيظ لأتفه المضايقات، وتنتابه حالة يأس وإحباط أمام أقل العقبات. ويتبدل مزاجه فجأة دون سابق إنذار، وينخرط في كثير من الأحيان في البكاء من غير أسباب. حالات تنتابنا نتيجة رتم الحياة السريع الذي نعيشه والذي أحالنا إلى قنبلة موقوتة. الحلم هو الحل الوحيد لكل ما نشعر به من انفعالات تفقدنا السيطرة على أنفسنا، وهذا الحلم الذي هو سيد الأخلاق وجوهر العقل، والذي لا يصل إليه إلا الصفوة من الناس، خلق لابد وان يدرب كل منا نفسه عليه لكي يتغلب به على انفعالاته.
لو نظرنا إلى التاريخ لوجدنا أن من سبقنا من الخلفاء وعامة الناس كانوا يشعرون بنفس ما نشعر به أو حتى ما يفوقه، من ضغوط المسؤوليات وما تخلفه من انفعالات، لكنهم اختلفوا عنا في خلق الحلم الذي تحلوا به فكان لهم عونا في كل أمورهم. يُحكى أن معاوية رضي الله عنه عُرف بالحلم، كان يقول: إني آنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي وحاجة لا يسعها جودي.
وقيل كان لعبدالله بن الزبير رضي الله عنهما أرض، وكان له فيها عبيد يعملون فيها، وإلى جانبها أرض لمعاوية فيها أيضا عبيد يعملون، فدخل عبيد معاوية في أرض عبدالله بن الزبير. فكتب عبدالله كتابا إلى معاوية يقول له فيه: أما بعد يا معاوية، إن عبيدك قد دخلوا في ارضي، فانهم عن ذلك، وإلا كان لي ولك شأن. والسلام.
فلما وقف معاوية على كتاب عبدالله بن الزبير، دفعه إلى ابنه يزيد، فلما قرأه قال له معاوية: يا بني ما ترى؟ قال: أرى أن تبعث إليه جيشاً يكون أوله عنده، وآخره عندك يأتوك برأسه. فقال: بل غير ذلك خير منه يا بنيّ. فأرسل له كتابا يبيّن فيه استياءه مما أساء عبدالله بن الزبير، وقال له إن الدنيا بأسرها هينة عندي في جنب رضاك، وقال: نزلت على ارضي فأضفها إلى أرضك بما فيها من العبيد والأموال.
أّعجب الزبير برد معاوية وأرسل له يبين ذلك، فلما قرأ معاوية رد عبدالله بن الزبير دفعه إلى ابنه يزيد، فما كان من يزيد إلا أن فرح وتهلل فقال له أبوه معاوية: «يا بني من عفا ساد، ومن حلم عظم، ومن تجاوز استمال إليه القلوب. فإذا ابتليت بشيء من هذه الادواء فداوه بمثل هذا الدواء».
ليتصور أحدنا نفسه في موقف كهذا، كيف سيكون تصرفه، هل سيكون بتلك الحكمة وبذلك القدر من الحلم والتجاوز؟ إنها أدوات عُرفت منذ خلقت البشرية، لكن قليلا هم أولئك الذين يحسنون استخدامها ويجعلونها معينا لهم في حياتهم. ويكفينا أن نذكر دائماً بأن الحلم قد يكون سببا في علو شأن الإنسان. فالعرب تقول: احلم تسد.
الانفعالات التي تنتابنا تكمن مشكلتها فيما قد نتسبب فيه من أذى للآخرين نتيجة قلة الصبر وضعف الحلم. فنحن اليوم آباء وأمهات، مسؤولون وموظفون، وأفراد علينا واجبات وحقوق والتزامات لا ينبغي التفريط بها في لحظة انفعال تعصف بنا فتفقدنا الصواب وتجعلنا في موضع نكره ان نرى أنفسنا فيه. لذا فإن الحلم والأناة ومن يعين عليهما هم أكثر ما نحتاج إليه في وقتنا هذا. قال الشاعر:
من لي بإنسان إذا أغضبته
وجهلت كان الحلم رد جوابه
maysaghadeer@yahoo.com