الخطاب الرئاسي السنوي الذي ألقاه الرئيس بوش فجر أمس الأربعاء، كان أقرب إلى بيان يعكس حالة رئاسته أكثر مما يقدم صورة عن حالة أميركا، كما هو مفترض أن يكون.
ويتضح ذلك من المقارنة بين نبرة وطروحات وطموحات خطبه السابقة، على امتداد السنوات الخمس الماضية، وبين حديثه ليلة أول من أمس. في ما مضى كان يبدو أكثر ثقة وعزماً وإصراراً، وكانت أجندته أوسع وأكثر تحدياً.
هذه المرة، في أحسن الحالات كان بوش أكثر تواضعاً، في أجندته ووعوده، وحتى لغته الامبراطورية كانت درجتها منخفضة. ولم يكن ذلك تعففاً. فالرئيس الأميركي لم يتغيّر أو يغيّر في مقارباته.
لكن الظروف لم تعد تسمح أن يكون كما كان. لقد انتقل من رئيس ينعم بشعبية كاسحة إلى رئيس يعاني من هبوط مدمّر في رصيده ـ من حوالي 80% بعد 11 سبتمبر إلى 38% اليوم ـ.
خسائر سياساته تراكمت منذ 2003 وخاصة في 2005. العراق، الفضائح، عجز الموازنة، ارتفاع أسعار الطاقة وازدياد القلق، فكان المشهد: رئيس منهك يخاطب أميركا محبطة.
لم يكن في جعبته إنجازات بارزة. على العكس الكثير من وعوده تبخّرت. ويزيد الطين بلّة أن رئاسته دخلت عامها السادس، ولم يبق أمامه إلا سنتان.
الأخيرة تكون عادة تصريف أعمال، يطغى عليها الانشغال بانتخابات الرئيس الجديد. فالوقت بدأ يفوته، ولذلك لم يسترسل في الخطاب، كما في السابق فلا الغلة وفيرة ولا هو قادر على توسيع قائمة التزاماته.
ومن هنا كان تكريسه لحوالي نصف حديثه ـ الذي استغرق 52 دقيقة فيما كان يتجاوز الـ 60 دقيقة في الماضي ـ للموضوعين التقليديين: العراق والإرهاب.
والعبارة الأخيرة كررها عشرين مرة، فهي وحدها التي تحظى بالاهتمام لدى الأميركيين، كما يحظى الرئيس من خلالها بعلامة ايجابية لصالحه، لان الساحة لم تشهد أية عملية إرهابية بعد 11 سبتمبر لكن ماعدا ذلك أوضاعه تعاني من التآكل خاصة حربه في العراق وما يحيط بها من غموض، ناهيك عن كلفتها المتزايدة، البشرية والمالية.
الرئيس الأميركي لم يأت بجديد: كرر رفضه لجدولة الانسحاب. بل جدد تعهده بعدم المغادرة بزعم أنه لا يجوز ترك العراقيين وحدهم. حافظ على نبضه العالي في هذا الخصوص. فهو يدرك أن تركته باتت مرهونة بمصير هذا الملف.
تحاشى تكبير قائمة الملفات، فهو تجاهل كوريا الشمالية كلياً. كما غابت لغة «الدول المارقة» فضلاً عن «محور الشر». حتى مخاطبته لإيران، رغم سخونة ملفها النووي حالياً، كانت معتدلة، فهو اعترف بأن الزمن الراهن «معقد ومليء بالتحديات».
غالب الظن ان الرئيس بوش ما كان ليتردد في تفويت هذه المناسبة، لو تيسر له الخروج عن هذا التقليد والواجب الدستوري، الذي أرساه المؤسس جورج واشنطن، أو ربما كان يتمنى، على الأقل لو أتيحت له العودة بهذا التقليد إلى ما قبل الرئيس وودرو ولسون.
حيث كان الخطاب يصدر على شكل بيان من دون ظهور احتفالي لإلقائه، فلم يكن عنده ما يعتد به أو ما يعد بتحقيقه، من الوزن الثقيل، لكن هذا لا يعني أنه بات مكبل اليدين فهو مازال الرئيس الذي لم يتراجع عن طروحاته المعروفة.