أظهرت كارثة الاساءة الدنماركية للرسول صلى الله عليه وسلم، وتطاول صحيفة «جلاندس بوستن» واستهزاؤها بشخصية خاتم الأنبياء عبر نشر رسوم كاريكاتورية ان الغرب بوجه عام والدول الاسكندنافية بوجه خاص غارقة في أوهام ومغالطات ثقافية.
وأسيرة رؤية الإسلام كعقيدة والمسلمين والعرب كشعوب عبر منطق «الصورة النمطية» و«القوالب الجاهزة» التي صكت وصيغت عبر قرون من الغش والتدليس، والتقليل من شأن الآخر، انطلاقا من قاعدة فكرية استند إليها الاستعمار الأوروبي لمنطقتنا.
وتتلخص في «المركزية الأوروبية» أي اعتبار الغرب مركزا للكون، وقطبا قائدا لبقية العالم التابع له، بحيث تصبح القيم والأفكار والمعايير الغربية هي المهيمنة على الإنسانية.
في كارثة الإساءة الدنماركية تجسد هذا التعاطي الأوروبي، الغارق حتى النخاع في الازدواجية و«قولبة» الآخر، ففي البداية رفض رئيس تحرير الصحيفة المسيئة استقبال وفد من مسلمي الدنمارك، وبالمثل فعل رئيس الوزراء وكانت حجتهم واحدة: حرية التعبير والرأي!
والتذرع بحرية التعبير والرأي لتبرير التهجم والإساءة إلى الأديان حيلة مكشوفة غير مقنعة، فضلا عن تناقضها مع ميراث الغرب المسيحي في التعامل مع الدين، فهناك حدود فاصلة بين الموقف الفلسفي تجاه الدين من جهة واحترام المقدسات وعدم الاستهزاء بالرموز الدينية.
وهو ما تجلى لدى حتى عتاة الملاحدة ومنكري الالوهية، ولا يخفى على مراقب ان أبو الفلسفة الأوروبية الحديثة الفرنسي رينيه ديكارت وضع الدين خارج نطاق «الشك» الفلسفي.
المغالطة الثانية في تعاطي الدنمارك مع حرية الرأي لتبرير خطيئة نشر الرسوم المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ان رئيس الحكومة رفض الاعتذار حتى بعد ان اجبر رئيس الصحيفة على الاعتذار تحت ضغط الحملة الشعبية لمقاطعة المنتجات الدنماركية.
وتمسك هذا بمنطقه الفاسد وفهمه لحرية الرأي، دون الالتفات إلى ان حكومته ومعها كل الحكومات الأوروبية تغمض عيونها وتتظاهر بالعمى المؤقت عندما يتعلق الأمر بوضع قضية «الهولوكست» أو المحرقة النازية لليهود على مائدة البحث العلمي والتاريخي، لدرجة تصل إلى مصادرة أي رأي مخالف لما تريده جماعات الضغط الصهيونية الحامية لإسرائيل.
نذكر في هذا المجال من أمثلة كثيرة لا حصر لها ما جرى مع الفيلسوف الفرنسي المسلم روجيه جارودي والذي اقتيد إلى ساحات المحاكم، لمنعه من ممارسة حقه كفيلسوف ومؤرخ أفكار وتيارات ومناقشة قضايا الإساءات العنصرية الصهيونية إلى العرب وجرائم العنصرية الإسرائيلية في فلسطين.
وعندما انتصر جارودي عوقب بحصار اعلامي قاتل، ورفضت دور النشر التي كانت تتهافت عليه نشر اعماله التي تناقش قضايا العنصرية أو تدقق في حقيقة «المحرقة» وتنبش في جذورها التاريخية.
ويتكرر ما جرى مع المؤرخ البريطاني ايريفين الذي لوحق في أوروبا وكأنه أحد اللصوص أو القتلة، لا لشيء إلا لعقابه على نشر دراسته الموثقة عن «الهو لوكوست» وكشفه ان اللوبي اليهودي ضخم في تصويره لها.
المغالطة الدنماركية الثالثة في تصوير حرية الرأي على أنها مبرر للتطاول على الأديان والإساءة إلى النبي، إنها تحمي الصحيفة وتعطيها حصانة، والحقيقة أن ما نشرته «جلاندس بوستن» في شهر سبتمبر الماضي لا يندرج بأي صورة ضمن ممارسة حرية الرأي، بل يجسد تعمد التشويه والإساءة.
أولا لأن الصحيفة نشرت إعلانا يدعو قراءها لرسم لوحات كاريكاتورية تصور نبي الإسلام محمد «صلى الله عليه وسلم» وانه ستنشر أفضل تلك الرسوم، وهو ما حدث بنشرها 11 رسما كلها «بذيئة» ومهينة وتعبير فج عن «عقلية التنميط السلبي»، فلقد صور إحداها النبي .
وهو يلف رأسه الكريم بعمامة ويخرج من أعلاه فتيل قنبلة مشتعل، أي ان النبي صلى الله عليه وسلم «إرهابي» (والعياذ بالله) وهي صورة مزيفة للواقع لأنه نبي الرحمة والتسامح والتعايش واحترام حقوق الآخرين بمن فيهم اليهود، الذين تآمروا عليه وناصبوه العداء.
خلاصة هذه الواقعة أن المقاطعة الشعبية هي السبيل لعقاب المسيئين للنبي، ويجب أن تستمر حتى يجبر رئيس الوزراء الدنماركي على الاعتذار، وان يرتدع أي متطاول عن تجاوز خط احترام الإسلام وتقديس صورة نبيه الكريم.