إن الفوز الكاسح الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات التشريعية الأخيرة في فلسطين المحتلة في الأسبوع المنصرم شكل بدون شك فاصلاً نوعياً في التاريخ السياسي الفلسطيني المعاصر.
هذا الفوز جاء بعد مرور عشر سنوات على انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني الأول 1996 ـ 2006 الذي ضم لوناً سياسياً واحدا تقريباً، لتحصل (حماس) على 76 مقعداً في المجلس التشريعي من أصل 132 مقعداً.
في حين حصلت حركة فتح التي كانت تستحوذ على غالبية المقاعد في المجلس التشريعي المنحل على 43 مقعداً، أما باقي القوائم فحصلت على ثلاثة عشر مقعداً، أي أن (حماس) استأثرت بنحو 58 % في المائة من إجمالي المقاعد في المجلس التشريعي الفلسطيني.
ف(حماس) هي تيار إسلامي إيديولوجي تأسس في بداية العام 1988 فور اندلاع انتفاضة المساجد كما تسميها هي أو انتفاضة الاستقلال كما تسميها منظمة التحرير الفلسطينية، وهذا يعني أنها جديدة نسبياً في الساحة الفلسطينية.
ولم تتمتع بجذور تاريخية إذا ما قورنت بالفصائل الفلسطينية الأخرى لاسيما حركة التحرير الفلسطينية (فتح) التي بدأت العمل السياسي والنضالي منذ أواخر الخمسينات.
من جهة أخرى، فحماس هي تيار سياسي مستقل لم تكن في أي وقت من الأوقات مدرجة ضمن إطار منظمة التحرير الفلسطينية كباقي التيارات السياسية الفلسطينية الأخرى.
علاوة على ذلك، فقد عملت (حماس) منذ تأسيسها على رفض البرنامج السياسي الذي أطلقته منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة فتح .
وبدعم كل الفصائل السياسية الأخرى القائم على الاعتراف بدولة إسرائيل ونبذ العنف وتبني الخيار السياسي (أو التفاوضي) كطريق أساسي، إذا لم نقل الوحيد، لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية المتمثلة بقيام الدولة الفلسطينية على كامل الأراضي المحتلة في عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف والوصول إلى حل عادل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين.
إنه البرنامج السياسي الذي أتى بعد أعوام من النضال الميداني والسياسي والدبلوماسي والاقتصادي ونجح في تغيير المواقف الدولية تجاه منظمة التحرير وقياداتها الوطنية وتجاه الشعب الفلسطيني الصابر والقابع تحت الاحتلال الإسرائيلي.
إنه البرنامج الذي حول منظمة التحرير من طرف لا يقبل التعامل معه لأنه نعت ب«الإرهاب» إلى طرف معترف به وبتمثيله الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني من قبل المجتمع الدولي وعلى رأسه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
بالمقابل استمرت (حماس) في نهجها السياسي الذي تبنته منذ الولادة واختارت برنامجها السياسي بناءً على تحرير كامل الأرض الفلسطينية من النهر إلى البحر رافضة التفاوض مع إسرائيل ومتبنية نهج المقاومة كطريق أساسي ووحيد لدحر الاحتلال الإسرائيلي وتحرير كامل الشعب الفلسطيني.
ووفقاً لهذه الرؤية والبرنامج السياسي رفضت (حماس) مفاوضات واشنطن في العامين 1991 و1992 ثم رفضت اتفاق إعلان المبادئ في عام 1993 وكل الاتفاقات اللاحقة المعروفة باتفاقات أوسلو، والتي تشمل اتفاقات أوسلو 1 وأوسلو 2 والخليل وباريس وواي ريفر.
لقد رأت (حماس) وقياداتها داخل فلسطين المحتلة وخارجها أن هذه المفاوضات والاتفاقات مرفوضة من قبل الشعب الفلسطيني في الداخل وفي المهاجر وأن جميع القرارات السياسية ذات الصلة تم اتخاذها من قبل فئة متنفذة في منظمة التحرير دونما العودة إلى المؤسسات الشرعية الفلسطينية والشعب الفلسطيني .
ودونما التنسيق مع الأطراف العربية والإسلامية التي ترى (حماس) فيهم محيطاً ضرورياً لمسيرة نضال الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال ومن يدعم الاحتلال في الخارج.
إذاً: لماذا قررت (حماس) الدخول في لعبة الانتخابات السياسية في فلسطين في هذه المرحلة بعد رفض استمر حوالي العقدين، علماً أن هذه الانتخابات وبغض النظر عن طبيعتها تستمد شرعيتها من الاتفاقات الموقعة بين منظمة التحرير وإسرائيل وباعتراف المجتمع الدولي بما فيه الجامعة العربية؟
ثمة أسباباً رئيسية ساهمت كثيراً في قرار (حماس) دخولها المعركة الانتخابية وتحقيق الفوز، من أهمها:
أولاً: الانقسامات الواضحة والجوهرية التي ظهرت داخل حركة فتح خلال السنوات الأخيرة، وظهور عدد كبير من الأجنحة العسكرية للحركة خارج سيطرة اللجنة المركزية لفتح والقيادة العليا.
ثانياً: تحول الجسم الأكبر من حركة فتح إلى مؤسسات السلطة الفلسطينية التي شهدت عمليات فساد كبيرة إنعكس سلباً على حركة فتح التي اتهم العديد من أعضائها بالفساد.
ثالثاً: غياب القائد الرمز متمثلاً بالرئيس الراحل ياسر عرفات الذي نجح باستمرار في لملمة الجروح ومنع الخلافات الجوهرية داخل حركة فتح لاسيما في أوقات الأزمات، والتي أضحت مستعصية على الحل بعد رحيله لتصل أحياناً إلى قمة الهرم السياسي الفتحاوي ممثلاً باللجنة المركزية.
رابعاً: غياب واضح وملموس للدور المميز والفاعل التي كانت تلعبه القوى الفلسطينية اليسارية والقومية فشل قيادي هذه التيارات بتأسيس قائمة موحدة للدخول في الانتخابات، وذلك بسبب الحسابات الفئوية الضيقة من جهة، وبسبب شح الموارد المالية خاصة التي تأتي عادة ما تأتي من حركة فتح داخل مؤسسات منظمة التحرير.
خامساً: شاركت حركة (حماس) خلال سنوات انتفاضتي الاستقلال والأقصى مشاركة فاعلة وفعالة على أنها حركة مقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي جنباً إلى جنب مع حركة فتح والفصائل الأخرى وقدمت كوكبة من الشهداء كان على رأسهم الشهيدين الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي.
سادساً: الفشل الذريع للمفاوضات السياسية التي بدأت في بداية التسعينات من القرن الماضي بقيادة حركة فتح وحتى انتهاء مفاوضات كامب ديفيد الثانية والتي كانت عاملاً قوياً ومباشراً لاندلاع انتفاضة الأقصى.
سابعاً: تدهور الأوضاع المعيشية والاقتصادية في فلسطين وفقدان الأمل لدى المواطن العادي في إمكانية السلطة الفلسطينية بقيادة حركة فتح بتحسين الأوضاع، في الوقت الذي نجحت حركة (حماس) في توفير البرامج الاجتماعية والاقتصادية في المناطق التي تزدهر فيها مبرهنة بذلك قدرتها على تقديم المساعدات المختلفة دونما التواجد في سدة الحكم.
ثامناً: نجاح اليمين الإسرائيلي والأميركي في الوصول إلى الحكم وتداعياته السلبية على مستقبل الاستقرار والسلام في المنطقة بأسرها وليس فلسطين فحسب، الأمر الذي ساهم في إقناع الشعب الفلسطيني أن الأمن والاستقرار والسلام لن يتحقق في ظل التطورات الإقليمية والدولية.
أخيراً: السياسة الإسرائيلية المتمثلة بالحل الأحادي الجانب وفرض الأمر الواقع وبناء الجدار العنصري، مقابل صمت دولي وعربي وعجز السلطة الفلسطينية في تغيير هذا الواقع أو حتى منعه من الاستمرار.
وفي ظل هذه الأجواء ومقابل فقدان الأمل من قبل الشعب الفلسطيني تجاه الأحداث في فلسطين والمنطقة بأسرها استثمر هذا الشعب الصابر العملية الديمقراطية وقرر أن ينتخب لوناً سياسياً جديداً آملاً في تغيير واقعه المرير الذي طال بقاءه.
أما حركة (حماس) فقد قرأت الخارطة السياسية بشكل جيد وقرأت الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في فلسطين على أنه أصبح ناضجاً للتغيير وأنه لا يمكن له أن يستمر لأن في ذلك خطراً ليس فقط على الأرض الفلسطينية التي تتضائل يوماً بعد يوم ولكن على وحدة الشعب الفلسطيني وصموده ومقاومته.
ولكن دخول (حماس) في اللعبة السياسية وتربعها على سدة الحكم في فلسطين المحتلة لن يكون بالأمر اليسير، إذا لم نقل أنه بالأمر الخطير.
ذلك لأن (حماس) المقاومة وحماس الحركة السياسية المستقلة وحماس الشعب ستختلف كلية بعد الفوز الانتخابي التشريعي وتشكيل الحكومة الفلسطينية الحماسية. من المؤكد بأن الفوز الكاسح لحركة (حماس) في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وضعها أمام مرحلة صعبة لا تحسد عليها.
والخوف يبقى في أن الارتباك قد ينتج عن عدم قدرة فتح للعب دور المعارضة وعدم قدرة (حماس) في إدارة الحكم لأن ذلك من شأنه أن ينعكس سلباً على الشعب الفلسطيني.
isam997@hotmail.com
كاتب وباحث سياسي