شاب مواطن في مقتبل العمر يوقف مركبته أمام محل كافتيريا، ويطلب سندويتشات وعصير وفكة ألف درهم، يسلمه العامل ما طلب وينتظر ورقة الألف درهم، إلا أن الشاب يغلق زجاج مركبته ويذوي متواريا عن الأنظار.
وفي موقف آخر سيدة مواطنة في محل بقالة تشير إلى مادة غذائية على الرف مستفسرة عن سعرها، فيقاطعها البائع قائلا: بلغ حسابك 270 درهما لم تسدد.
تصرخ السيدة في وجهه بانفعال شديد: تعرف جيدا أني احتمي براتب الشؤون ولن ألوذ عن مطالباتكم. ثم تتابع وهي تمسح الدموع بعباءتها قائلة:
منذ أسبوع وأمنيتي تذوق طعم السمك لولا المدخول المتواضع، فالدفعات الشهرية لا تكاد تلبي مصاريف الجمعية، فكيف ومطالبات الكهرباء، وشركة الغاز، والخياط، و«اتصالات» تطاردني كالظل. ثم مضت تتمتم وهي تلتمس سبيلها تاركة ما جاءت من أجله.
والحق أقول ان القلق بات يساور الآباء الحريصين على مستقبل أبنائهم من شبح البطالة الذي داهمنا مبكرا قياسا بعمر دولتنا وبقفزات أكثر اتساعا من قفزات النمو السريع والتنمية الشاملة التي تشهدها الدولة، رصدتها أرقام البطالة واحصائيات التوطين التي لم تعد تداهمنا عاما بعد عام، بل في كل يوم.
ذلك أن القطاع الخاص لم يعد وحده المقصر في حقنا، بل ان الكثير من الدوائر والمؤسسات الحكومية لا تزال تحتفظ بسجلاتها القديمة عن أرقام التوطين، وبقيت مهن أقل من بسيطة مثل الإمامة والمؤذن عصية على التوطين، رغم إلحاح بعض المتقاعدين لتحسين أوضاعهم المعيشية، سيما وان عمل المؤذن بالنسبة لهؤلاء فرصة عمر لحصاد الخير والمثوبة دينا ودنيا.
ويبدو ان الوضع سوف ينحى منحى كارثيا ما لم نتنبه إلى حجم البطالة المتفاقم، وما لم نبتدر تحولا نوعيا في استراتيجية توطين الوظائف بالدولة.
لقد كان دخول قرار وزارة العمل توطين مهنة مندوب العلاقات العامة في مؤسسات القطاع الخاص حيز التنفيذ بمثابة طوق نجاة تعلق به جميع المواطنين العاطلين عن العمل، بما فيهم بعض حملة شهادات الطب، بعد ان ضلت مساعيهم وتبعثرت أوراقهم بين الشركات دون رد بالقبول أو اعتذار بالرفض.
وما تنازل بعض حملة الشهادات العليا عن فرصهم المهدورة في العمل والقبول بمهنة «مندوب علاقات عامة» إلا ترجمة حقيقية لطول معاناة المواطنين الباحثين عن عمل يتناسب مع كفاءاتهم وتخصصاتهم، ورغبتهم الأكيدة في رد ولو قليل من كثير من فضل الوطن عليهم.
أفبعد هذه الخطوة الايجابية تتخلى الوزارة عن إعانة المواطنات ممن قادتهن الظروف إلى الزواج من غير رعايا الدولة في ظل غلاء المعيشة وضيق ذات اليد، بأي منظور ترى وزارة العمل والشؤون الاجتماعية المشهد الوطني؟