الرئيس شيراك يهدد باستخدام السلاح النووي في ظروف معينة إذا تعرضت مصالح فرنسا الحيوية لهجوم خطير.

هذا المنطق يمثل حجة مشروعة لفرنسا وبقية الدول الغربية المالكة لترسانات نووية، لكنه في الوقت نفسه يمثل حجة عليها. أليس لدول أخرى مصالح حيوية ينبغي الدفاع عنها بكل الوسائل؟

في سياق تهديده حذر الرئيس الفرنسي قادة ما أطلق عليه «قوى إقليمية» بأن هذه القوى قد تكون هدفاً للصواريخ النووية الفرنسية «اذا استخدموا وسائل إرهابية ضدنا أو لجأوا إلى استخدام أسلحة دمار شامل على نحو أو آخر».

هكذا تظهر للعيان من خلال هذا المثال الفرنسي قيمة السلاح النووي كرادع للآخرين، أيا يكونون، بأن يفكروا ألف مرة قبل التخطيط لاستهداف مصالح حيوية لدولة تحتفظ لنفسها بترسانة من الأسلحة النووية. وهكذا يأوي كل مواطن فرنسي إلى فراش النوم وهو مطمئن.

لماذا إذن يبقى الرادع النووي حكراً على دول دون أخرى؟

أستطيع ان أتصور رئيس كوريا الشمالية يهز رأسه بعد استماعه إلى تهديد الرئيس الفرنسي ليقول الرئيس الكوري بعد ذلك لنفسه: كم كنا صائبين وبعيدي النظر عندما قررنا انشاء ترسانة نووية!

وأستطيع ان اتصور أيضاً رئيس إيران وهو يقول: علينا ألا نفرط في تطوير برنامجنا النووي حتى إلى مستوى انتاج أسلحة نووية.

الرئيس الفرنسي لم يحدد بالاسم «القوى الاقليمية» التي يقصدها. ولكن هذا التعبير من مترادفات تعبير «الدول المارقة» وتعبير «محور الشر» اللذين ابتكرتهما الولايات المتحدة ليشمل أي منهما أية دولة ترى واشنطن وفق تصنيف أحادي ذاتي أنها خصم أو عدو من منظور الاستراتيجية الأميركية الدولية. والتعبير الفرنسي يدخل ضمن هذا السياق.

لماذا إذن لا يكون تملك السلاح النووي مباحاً لكل دول العالم دون استثناء طالما ان أية دولة معرضة لأن تكون هدفاً للقوى النووية الكبرى بناء على رؤية أحادية؟ كيف يتحقق الأمن الكامل للدول الصغيرة اذا كانت مسلحة بسكين في مواجهة آخرين يشهرون مسدسات؟

إما ان يكون هذا العالم بكل دوله دون استثناء خالياً تماماً من السلاح النووي وأسلحة الدمار الشامل الأخرى وإما ان يكون متاحاً للجميع ـ ودون استثناء ـ تملك مثل هذه الأسلحة ذات الدرجة العظمى من الفتك وبذلك يكون الجميع رادعاً للجميع؟

إنها لعبة لا تخلو من عبث، فبينما تقود الولايات المتحدة حملة ضارية متعاظمة ضد برنامج إيران النووي الذي لا يزال في طور الانشاء فإنها لا تبارك الترسانة النووية الهندية فحسب بل ذهبت إلى حد توقيع اتفاقية مع نيودلهي تسمح للهند بالإفادة من التكنولوجيا النووية الأميركية.

لكن مؤخراً أخذت واشنطن تهدد الهند بإلغاء الاتفاقية اذا لم تتراجع نيودلهي عن اتفاق نفطي مع إيران!وفي كل الأحوال فإن التحرك الأميركي ينطلق من اعتبارات أمن إسرائيل. ومن هنا تكون الازدواجية في التعامل.

أما سكوت واشنطن حالياً عن ترسانة باكستان النووية فإنه حالة مؤقتة ترتهن إلى مدى بقاء باكستان كحليف في «الحرب الأميركية على الإرهاب»

.