استقبل الغرب نتائج الانتخابات الفلسطينية الأخيرة بحالة من التوجس والقلق بسبب الفوز الساحق الذي أحرزته حركة حماس اللاعب الجديد في ساحة المنافسة السياسية. فأمريكا لم تخف خيبة أملها وسارعت إلى إعلان موقفها الرافض للتعاون مع حماس. أما أوروبا التي لم تعجبها أيضا النتيجة التي جاءت وفقا لقواعد اللعبة الديمقراطية، فقد هددت بقطع دعمها للشعب الفلسطيني إذا لم تعترف حماس بإسرائيل.

إن مثل هذه المواقف من الغرب تمثل نكوصا بائنا عن قيم الحرية والديمقراطية التي تلتزم بها مجتمعاته. فحركة حماس لم تأت إلى الحكم بليل وإنما أتى بها الشعب عبر صناديق الاقتراع ومن خلال انتخابات نزيهة أشرف عليها مراقبون من الغرب الذي يلوح الآن للفلسطينيين بعصا الابتزاز الاقتصادي.

كشفت الانتخابات الفلسطينية الغطاء عن زيف الادعاءات الأمريكية بشأن ترقية قيم الديمقراطية في المنطقة ودفاعها المستميت عن مبدأ احترام إرادة الشعوب في اختيار حكامها. كما أوضحت التجربة بجلاء أن حملة لواء الديمقراطية في العالم يريدون نموذجا من الديمقراطية يتم تفصيله حسب الطلب وبما يخدم أهدافهم، ضاربين عرض الحائط بحق الآخرين في الاختيار الحر.

ولكن أن تصل ردة فعل الغرب تجاه فوز حماس في الانتخابات إلى حد التحرش بالحركة، فهو أمر يثير الدهشة والحذر في الوقت نفسه. كما يثير هذا السلوك مخاوف فعلية من إيقاظ الفتن النائمة وتحريك رمال العنف في المنطقة. وربما ينتهي الأمر إذا استمرت حالة الاستعداء هذه إلى تكرار سيناريو الجزائر عام 1990. وربما يصل الأمر في نهاية المطاف إلى توجه حماس والتيار الجارف المتعاطف معها كليا إلى تبني سلاح المقاومة كخيار وحيد ومن ثم دخول المنطقة في نفق جديد يقودها هذه المرة إلى المجهول.

المطلوب من الإدارة الأمريكية تحديدا بوصفها راعية للسلام في المنطقة أن تتعامل مع رغبات الشعب الفلسطيني بالكياسة السياسية المطلوبة. كما أن حماس مطالبة بالمثل بتبني برنامج جديد يتسق مع ضرورات المرحلة وأن تستوعب حقيقة أنها أصبحت الآن نظاما يحتكم إلى حقائق السياسة والدبلوماسية وذلك بإرسال المزيد من الإشارات الإيجابية إلى المجتمع الدولي.