منذ زمن ليس بالقصير والدور العربي إجمالاً، مفقود، ولا أثر له على شاشة التطورات العاصفة بالمنطقة. الكل غاطس في الهزّات التي ضربت أوضاعنا؛ إلا أهل الدار أنفسهم.

الأمم المتحدة، الأميركيون، الأوروبيون، الروس، الصين؛ جميعهم متدخل، بدرجة أو بأخرى في الساحة العربية، ما عدا أصحابها ، وكأنهم في سبات عميق، حتى لا نقول وكأنهم مستقيلون من هذه المهمة.

دور الوساطة الذي بدأت مصر بالنهوض به، مؤخراً، على أكثر من جبهة عربية؛ جاء ليعطي شحنة إنعاش، لما أصطلح على تسميته بـ «التعريب»، أي لعودة الحضور العربي ولو متأخراً، إلى ساحة الأزمات العربية المشتعلة. حتى وإن اقتصر على عواصم معينة، في طوره الراهن، لاسيما وأن القاهرة تتحرك بالتنسيق والتفاهم مع أشقاء عرب آخرين.

وما يعزز من طابعه التعريبي أنه جاء في أعقاب محاولات وتحركات حثيثة، كان بعضها مثمراً، قامت بها الجامعة العربية ـ مؤتمر القاهرة للأطراف العراقية ـ.

وبذلك عاد، ولو شيء من الروح لدور عربي، في قضايا تخص المنطقة في الصميم، وتترتب عليها تداعيات تطال الجميع؛ بصورة أو بأخرى، على الأقل حتى يبقى أهل الشأن على دراية واحتكاك، بما يحصل وما قد يترتب عليه من ذيول ومضاعفات. أو في أقل الأقل، حتى لا يقال إن الأشقاء لم يفعلوا شيئاً، ولا حتى حاولوا!

في هذا الإطار يمكن إدراج التحرك المصري الراهن والذي يجري، بالتزامن، على خطين: خط دمشق ـ بيروت وخط فتح ـ حماس.

الأول بات مشحوناً بالتوتر العالي وأجواؤه تلبّدت بغيوم سوداء وكثيفة تنذر بالمزيد من التردّي، سيما وأنه مقبل على استحقاقات مرشحة لرفع درجة التهاباته، وعليه صار الاستدراك ضرورة.

والعمل على تطويق التفاعلات صار ضرورة، لا تقبل التأجيل، وترك هذا التأزيم المتصاعد إلى الغير الخارجي، قد يفاقم من حالته؛ وبالتالي من انعكاساته المؤذية.

كذلك خط فتح ـ حماس فهو الآخر كان يعاني من احتقان مزمن، ثم ارتفع منسوبه مع الانتخابات الأخيرة والانقلاب الصاعق الذي تمخضت عنه لا الظرف ولا الوضع الفلسطيني يحتمل المزيد من التوتر بين الطرفين، ليس ذلك فحسب، بل ان المرحلة الراهنة تستوجب تجميع الصف الفلسطيني .

وليس تباعده، الأمر الذي يتطلب التسامي والارتقاء إلى ما فوق الحساسيات الضيقة والمصالح الحزبية والانتخابية، وما تردد عن أن الوساطة المصرية قد تدور حول العمل على تقريب الطرفين أحدهما من الآخر لتشكيل حكومة وحدة وطنية، يبعث على الارتياح ـ واذا نجح على الترحيب ـ؛ لأنه المدخل القادر على ضرب عصفورين بحجر واحد:

وقف التشرذم والنزف السياسي وربما الأمني، من جهة ورمي الكرة في الملعب الإسرائيلي من جهة أخرى. فالحكومات الإسرائيلية تذرعت دوماً بعدم وجود «شريك» في عملية السلام!

تزييف ينبغي إخراسه من خلال حكومة فلسطينية واحدة وبرنامج موحد لها. ومن هنا أهمية نجاح الدور المصري على هذا الخط كما على الخط السوري ـ اللبناني الذي يحتاج إلى تبرير عاجل.