بدأت بوادر انتفاضة داخلية في حركة فتح بعد الهزيمة المنكرة أمام حركة حماس في الانتخابات التشريعية. ومع نداءات تطالب باستقالة اللجنة المركزية ورموز الهزيمة في الحركة التي اطلقها متظاهرون من الحركة في شوارع غزة.. ومدن الضفة انكب الرئيس محمود عباس على توقيع كتب اقالة كل المرشحين الذين خاضوا الانتخابات خارج قوائم فتح.

وعملوا على تشتيت الأصوات ويبلغ عدد هولاء قرابة 150 مرشحا منهم خمسة اعضاء في المجلس الثوري اضافة الى المئات من نشطاء فتح الذين عملوا في حملات دعاية لقوائم اخرى وخانوا حركتهم.

مركزية فتح التي عملت طويلا لمنع وصول الجيل الثالث الى مركز صنع القرار حملت مسؤولية الهزيمة ومحاولتها فرض نفسها على قوائم الحركة ولهذا باءت بغضب القاعدة الفتحاوية التي انتقمت نسبة لا بأس بها من قيادة الحركة بالتصويت لصالح حماس.

اسباب نجاح حماس تجدها في اسباب فشل حركة فتح وهي انعدام التنظيم الداخلي في فتح وهلامية الانتماء حيث لا توجد سجلات عضوية في الحركة ولم يعد ثمة خط فاصل بين السلطة وفتح وانعكست مثالب وسلبيات النظام الفلسطيني على فتح واتخذها البعض مطية للوصول الى السلطة والحصول على مناصب ومكاسب.

وقاومت اللجنة المركزية كل المحاولات لتجديد شباب الحركة وتمترست حول نفسها غير عابئة بالجيل الثالث وعمل بعض قادتها على افساد القاعدة وشقها وتشتيتها باغراءات المال والمناصب وارجأت اكثر من مرة عقد المؤتمر السادس للحركة حتى يأتي بعد الانتخابات التشريعية في محاولة استباقية لفرض نفسها في الانتخابات التشريعية.

ولهذا قاومت بشدة ظهور قائمة موازية وفي النهاية صاغت قائمة ضعيفة لم يشفع لها وجود اسم قائدها الأسير مروان البرغوثي حيث افقده قادة فتح بريقه ولم يتحدثوا عنه مطلقا في حملتهم الانتخابية ولم يطبعوا اسمه او صورته على أي ملصق ولهذا اضطر الى بدء حملة انتخابية خاصة به.

ولم يقتصر الصراع على ذلك بل حارب مرشحو فتح بعضهم بعضا في الدوائر، في مواجهة حماس ذات التنظيم الداخلي الحديدي الملتزم الذي اقترع كصوت واحد.

الذين يتباكون الآن على فوز حماس هم أنفسهم صانعو فوزها. سواء من قادة فتح الذين حولوا السلطة ومناصبها الى مزارع للوزراء يمارسون فيها اخفاقاتهم وفسادهم او من الاميركيين الذين غطوا على مفاسد بعض رموز فتح وأجزلوا لهم العطاء ومنحوا اسرائيل مظلة في سياساتها العدوانية والاستيطانية.

وكذلك ساهم الاسرائيليون بنصيب الأسد في دفع الشعب الفلسطيني نحو التصلب، فبعد خمس سنوات من وقف المفاوضات وانسداد الأفق والخطوات احادية الجانب واستمرار سياسة الاستيطان والاغتيالات.

وبناء الجدار لم تبق أية مصداقية في الشارع لدعاة السلام والتسوية. فعندما يصوت عشرون من الحرس الرئاسي لصالح حماس من بين 120 فان ذلك يعني أن اليأس من الوضع الفتحاوي وصل الى نهايته.

ماذا بعد الفوز؟ هذا السؤال طرحته عدة مرات على قادة حماس خاصة الشيخ اسماعيل هنية والدكتور محمود الرمحي حول برنامج حماس بعد الانتخابات لكن اجاباتهم كانت غامضة وضبابية ربما لأنهم لم يضعوا في الحسبان فوزهم الكاسح.. فعندما التقيت الدكتور الرمحي غداة يوم الاقتراع بدا مندهشا وقال حققنا حتى الآن 70 مقعدا وقد تصل الى 80 انه فوز غير متوقع؟

حماس فوجئت بالفوز الكاسح ولم تتوقع ذلك الكم من الغضب الشعبي ضد ممارسات قادة فتح وفساد السلطة الذي عبر عن نفسه في صناديق الاقتراع. فمن المؤكد أن حماس لم تضع أية سيناريوهات لأنها لم تتخيل فوزها الساحق..

وقيل إن الغموض في برنامجها السياسي يعود الى خطة مدروسة حتى لا تكشف توجهاتها امام انصارها اثناء الانتخابات لكن ثبت انها لم تضع أية خطة مستقبلية ولهذا وجدت نفسها تضرب الأخماس في الأسداس بعد ذلك.. وستجد صعوبة حقيقية في تشكيل حكومة..

وفي التعاطي مع المجتمع الدولي وفي الوفاء باحتياجات الشعب الذي يحتاج الى 119 مليون دولار كرواتب شهرية اضافة الى المصاريف الجارية. لأن حماس عملت من موقع المعارضة وكانت خزينتها ملأى دوما فدعمت نشطاءها وافتتحت متاجر ومحلات تجارية لهم وبنت لهم بيوتا ودفعت رواتب لهم.. لكنها في الوضع الجديد دخلت دوامة كبرى.

فحركة فتح اعلنت انها لن تشارك في الحكومة المقبلة ولن تساهم في تحمل الاعباء عن حماس.. ولن تكون قناعا خارجيا لحماس.. فيما لا يعرف الرئيس ابو مازن ما هي الخطوة التالية فهو سيكلف حماس بتشكيل الحكومة لكنه شدد على برنامجه الانتخابي القائم على التمسك بخارطة الطريق .

وعندما سألت الرئيس في جلسة عن خطوته فيما اذا فشل في المضي قدما في برنامجه هذا قال بوضوح اذا فشلت سأستقيل.. وغداة يوم الانتخابات طلبت إذنا لمقابلته وطرحت عليه فكرة محاورة حماس على اساس تشكيل حكومة انقاذ ذات اهداف محددة لانتشال حماس من أزمتها امام معضلة تشكيل الحكومة وانتشال فتح من كبوتها.

وهي ان تتم اعادة تعديل القانون الاساسي الفلسطيني لاتاحة الفرصة امام الرئيس لتشكيل حكومة وهو القانون الذي عدل سابقا لاتاحة الفرصة امام ابو مازن نفسه لكي يكون رئيسا للوزراء في عام 2004 .

ولكن بشرط ان تترك له حماس حرية الحركة في التفاوض وفق برنامجه وأظن ان الشيخ اسماعيل هنية عبر عن عدم معارضة حماس لأي مفاوضات لاقامة دولة فلسطينية في حدود عام 1967 بشرط الا تشارك حماس في المفاوضات.

ابو مازن استمع الى وجهة نظري باصغاء جيد وقال إن الأوان لم يحن بعد لذلك.. فقلت له سبق ان كتبت مقالا في صيف العام الماضي حول أزمة فتح الداخلية واحتمال خسارتها الانتخابات بسبب قيادتها وتحويلها من فتح الى فتحية تطالب بالكوتا النسائية في المجلس التشريعي.

وهو ما وقع الآن فعلا ولم يحاول احد انقاذها من براثن كبارها وكأن من شروط عضوية اللجنة المركزية لفتح أن يكون العضو مصابا باعراض امراض الشيخوخة والزهايمر والبروستاتا..

فحاليا هناك ثلاثة اعضاء مرضى وآخرون في الخارج فكيف يستقيم وضع حركة كهذه؟ وقلت للرئيس ابو مازن وأنا أغادر.. لقد جئت الى الرئيس ياسر عرفات في شهر سبتمبر 2004 وقلت له على مسمع بعض المسؤولين «سيادة الرئيس لماذا تحمي الفاسدين؟

لماذا عندما تثار شبهات حول مسؤول تأتي به وتؤطره الى جانبك في الصور الرسمية وكأنك تقول للناس انك تحميه، لماذا انت أسير لهؤلاء؟ فاذا لم ينقلب ياسر عرفات على عرفات ياسر فسيجد من ينقلب عليه»®.

وبعد اسبوعين مرض عرفات ورحل؟ ثم بددت شكوك ابو مازن حول المقارنة والرحيل وقلت له «الأمر بيدك فانت» منتخب ببرنامج سياسي محدد.. وباستطاعتك انقاذنا من دعاة الجزأرة اي قمع حماس بأجهزة الأمن ودعاة الطلبنة أي دعاة الطالبانية في حماس». وغادرت المكان.. لعله يسمع فهل بلغت؟ لأننا لا نريد الفرار من ظلم بعض قادة فتح الى ظلام بعض قادة حماس.

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» ـ فلسطين