الديمقراطية من المصطلحات التي تشيع هذه الأيام على كل لسان حتى كادت تفقد مدلولها الحقيقي، على أن هذا المصطلح تبقى له أهميته في الحياة السياسية والاجتماعية على اختلاف الدلالات والمقاصد والتطبيقات الواقعية.

فأن يكون للناس دور أساسي في إدارة شؤون حياتهم أمر مهم في استقرار الحياة وتطورها نحو الأفضل في شتى النواحي، وألا ينفرد شخص أو أشخاص بشؤون البلاد والعباد من الأمور التي تجعل الجميع في مأمن من جموح الفردية ونزوات السلطة وشهوة التحكم في القطيع.

ولعل التأمل في الواقع المعاصر يلفتنا إلى أن الديمقراطية حققت تطوراً مشهوداً في البلاد المتقدمة في شتى المجالات وأتاحت للبلاد الأقل تقدماً تطوراً نسبياً مكنها من أن تحاول اللحاق بركب التقدم والتطور.

بينما قادت الفردية والتسلط والاستئثار بالقرار إلى النكوص بعد قطع أشواط في سبيل التقدم، وهدمت كل ما بنت نتيجة فقدان البوصلة الهادية التي لا بد أن يخطئها الفرد المستبد الذي يقول الحق وحده وفصل الخطاب.

والذي يتأمل الديمقراطية في الواقع المعاصر يجدها على علاقة مباشرة بمفهوم القوة، وهي علاقة جدلية، فلا ديمقراطية حقيقية من دون قوة، ولا قوة حقيقية من دون ديمقراطية، فالقوة هي السياج الحقيقي للديمقراطية، فكثير من مظاهر الديمقراطية تبدو زائفة وشكلية لأنها لا تستند إلى قوة ذاتية تجعل وجودها واستقرارها.

ونموها مرتبطاً بمشكلات المجتمع وحاجاته بقدر ما هي صور مجتلبة من واقع مختلف وثقافة مختلفة، فلا يشعر بها المواطن إلا في صورة إملاءات قد تبدو غريبة عن فكره ووجدانه، ومن أين للضعيف مادياً وروحياً أن يمتلك ديمقراطية حقة لا تظللها القوة المطلوبة؟

على أن قوة من دون ديمقراطية هي قوة زائفة لا يمكن أن تعمر طويلاً، بل هي مرشحة للزوال، وسرعان ما تنهار في أول صدام حقيقي مع الآخر المتربص، فالحكم الفردي حتى في الدول المتقدمة شهد كوارث حقيقية نتيجة العمى في الرؤية البعيدة الذي يصيب حتماً من تستبد بهم نزعة السلطة وشهوة التحكم.

وجموح التفرد بالقرار، فكيف بالقوة الوهمية التي قد تمتلكها دول من العالم الثالث فإذا هي نتيجة النزوات والشهوات والمغامرات أشبه بصروح على الرمال، تبدو ضخمة شاهقة سامقة البنيان وإذا هي بعد أن توضع على المحك هياكل كرتونية لا تضر ولا تنفع.

وإذا كانت العلاقة جدلية كما أسلفنا بين الديمقراطية والقوة فإن القوة المادية وإن تكن على غاية من الأهمية في كل الأحوال يجب ألا تنسينا القوة الروحية التي تمتلكها الشعوب المضطهدة والمظلومة فهي قوة لا يستهان بها، ويمكن لهذه القوة الروحية أن تنهض بالمطلوب في غياب القوة المادية في أغلب الأحيان.

وكم ضربت أمم وشعوب امتلكت الديمقراطية والقوة الروحية معاً المثل في تحقيق أهدافها على الرغم من تكالب الأمم وقوى الشر من كل سبيل، وبرهنت على أن الديمقراطية إن تسلحت بالإرادة والتصميم والإيمان بتحقيق الهدف تقف حتماً في وجه المعتدين الطامعين الظالمين.

ولا بد في هذا المقام من الالتفات إلى واقعنا العربي المعاصر على الرغم من الصورة المعقدة الملتبسة التي هو عليها فنقول إن شيوع الروح الديمقراطية أمر لا بد منه في سبيل الاستقرار والبناء والتقدم، لأن توفير القوة الروحية في الأقل لا يتم من دون ديمقراطية توفر تكافؤ الفرص بعيداً عن التكتلات والمصالح الفردية والمحسوبية والطائفية والقبلية والحزبية وسواها.

ولا يكون الاستقواء إلا بما يقدمه الإنسان من جهد وخبرة وإخلاص وانتماء، وهذا ما يحقق العدالة والاستقرار والطمأنينة وتكافؤ الفرص.

ولعل من الأمور التي تستدعيها الذاكرة في هذا المجال التباين الشديد بين المثال والواقع، وهذا التباين الذي يصل أحياناً إلى درجة التناقض، فكثيراً ما نتغنى بالديمقراطية .

ونتعامل معها على أنها في المستوى الأرفع من سلم القيم حتى إذا مارسناها ووجدنا أن إتاحتها للناس جميعاً يؤثر على مصالحنا ومواقعنا وأهوائنا ونزواتنا وحتى آرائنا انتفضنا رافضين الممارسات الديمقراطية لاعنين إجراءاتها ونتائجها.

لأن النتائج بل حتى الوسائل تقصينا عن موقع الانفراد بالقرار وتجعلنا عرضة للنقد والمحاسبة والمؤاخذة، لأن الفردية والأنانية والتسلط تأخذ بخناقنا وتتحكم في مواقفنا وأفكارنا وأرواحنا.

على أن قائلاً قد يقول: إن مجتمعاتنا العربية تحمل إرثاً ثقيلاً من الفردية حتى بات هذا الإرث يسكن كل ذرة من ذرات الإنسان وعقله، وبات جزءاً لا يتجزأ من الثقافة والوجدان الجمعي، وأصبح من العسير على أي اتجاهات نظرية نحو الديمقراطية أن تجد لها تجليات في الواقع.

وإذا كان لهذا الكلام شيء من الوجاهة النظرية فإنه أقرب ما يكون إلى السلبية وجلد الذات والانكفاء نحو أفكار عدمية لا تسعى نحو التغيير أو الانطلاق باتجاه التقدم، فالديمقراطية لها تجليات عميقة في الحضارة العربية في النظرية والتطبيق.

والأمم الأخرى التي نجحت تجاربها الديمقراطية وتعززت بالقوتين المادية والروحية لم تكن في تاريخها مجتمعات ديمقراطية بالفطرة أو النشأة وإنما وصلت إلى هذه النتيجة بعد مخاض طويل. إن نظرية الطبائع الثابتة نظرية خطيرة في هذا المجال فضلاً عن كل المجالات.

وليس مقبولاً من أحد أن يضع العصي في الدواليب ويفتي باسم أمة تريد التقدم والتغيير وتسعى إلى أن يكون لها مكان تحت الشمس.صحيح إن بعض الهياكل الديمقراطية تبدو أحياناً في مهب الريح لأنها تستند في الأصل إلى فئوية وطائفية وتشظيات لا حصر لها.

ولكن هذه الهياكل لا تمثل الصورة المثلى لما تطمح إليه هذه الأمة في تجاوز الهياكل التي قد تزيد الأمة ضعفاً على ضعف وتفرغ الديمقراطية من جوهرها الحقيقي، بقي أمر أخير لا بد من الإشارة إليه وهو أن الديمقراطية ستكون ناجعة أكثر كلما ابتعدنا عن التجزئة واتجهنا إلى الوحدة المنشودة.

جامعة الإمارات