الديمقراطية والتعددية السياسية ـ د. محمد عبدالعزيز ربيع

الديمقراطية والتعددية السياسية

ت + ت - الحجم الطبيعي

تعني التعددية بالمفهوم السياسي وجود أكثر من حزب واحد في المجتمع، واتجاه الأحزاب عامة إلى التنافس فيما بينها، وذلك من أجل الوصول إلى السلطة واستلام مقاليد الحكم في البلاد.

ويتم التنافس بين الأحزاب عادة من خلال طرح الأفكار المختلفة واتخاذ المواقف المتباينة وتقديم برامج العمل المتنوعة والتي تستهدف خدمة الجمهور والتجاوب مع احتياجاته اليومية، أو التوافق مع مواقف ومصالح الطبقة الاجتماعية التي ينتمي الحزب إليها ويعمل على تمثيلها في المجتمع وأروقة الدولة.

من ناحية ثانية، يقوم جمهور الناخبين من خلال الاختيار بين الأحزاب المتنافسة بإبداء آرائه في البرامج الحزبية والتأثير بالتالي في مواقف الأحزاب وتوجهاتها السياسية وغير السياسية.

وهذا يعطي الأحزاب المختلفة فرصة معرفة وجهة نظر الجمهور في سياساتها ورؤيتها للأمور وكيفية إدارة شؤون البلاد، والقيام في ضوء ذلك بإحداث التغييرات في المواقف والتوجهات والبرامج بالشكل وفي الاتجاه الذي ينسجم مع مطالب الجمهور أو يقترب من آرائه.

أما الجمهور فيضمن مشاركته في العملية الديمقراطية وفي اتخاذ القرارات المصيرية، السياسية منها وغير السياسية، من خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات الدورية واختيار ممثليه في المجالس التشريعية والتنفيذية.

حين تقتصر الحزبية في المجتمع على حزب سياسي واحد، أي حزب سلطة فقط ، يكون على جمهور الناخبين الاختيار بين مرشحي ذلك الحزب وحده، مما يلغي عمليا فرصة الاختيار أمام الجمهور ويقوض قدراته على التأثير في مواقف الحزب الحاكم وتوجهاته السياسية.

وهذا يضع الحزب الحاكم في موقع يسمح له باحتكار السلطة والتعالي على الجمهور والتسلط عليه، وذلك بدلا من العمل على خدمته ومحاولة إرضائه والتجاوب الفعال مع احتياجاته.

وتشير تجارب الشعوب المختلفة، بمن فيها الشعوب العربية، إلى أن نظام الحزب الواحد تسبب في حرمان الناس من الحرية بوجه عام، ومن فرصة المشاركة في العملية السياسية ومراقبة عمل السلطة التنفيذية وتصحيح مسارها بشكل منتظم.

تتصف كل المجتمعات الحديثة بالتعددية، وهي تعددية لا تقتصر على الناحية السياسية فقط ، بل تتجاوزها إلى التعددية العرقية والطائفية والدينية والثقافية الإيديولوجية والاقتصادية وغيرها. إلا أن هذه التعددية تختلف من حيث الحجم والتأثير بين مجتمع وآخر، ولا تشكل في غالبية الأحيان عائقا أمام تطور المجتمع.

وليس هناك من شك في أن التعددية السياسية بين أحزاب تتنافس على السلطة بالطرق السلمية وفي إطار فلسفة مجتمعية واحدة تخدم قضيتي الحرية والمشاركة في العملية الديمقراطية، إلا أن التعددية العرقية والدينية والثقافية وحتى الاقتصادية كثيرا ما تتعارض مع أهداف العملية الديمقراطية.

وفي الواقع، تشير تجارب بعض الدول مثل صربيا ونيجيريا ولبنان وحتى الولايات المتحدة الأمريكية إلى أن وجود تعددية سياسية لا يكفي وحده لتحقيق العدالة والمساواة في مجتمع متعدد الثقافات والأعراق والديانات والطوائف.

حين تكون التعددية الرئيسة السائدة في المجتمع هي تعددية عرقية أو ثقافية أو دينية تضعف فرص حدوث الانسجام والتوافق بين أتباع الطوائف والديانات والأعراق المختلفة، ويتجه المجتمع عموما إلى التفتت إلى تجمعات متنافسة تعيش على طول خطوط اجتماعية - ثقافية متوازية.

وهذا من شأنه اتجاه كل طائفة أو مجموعة عرقية أو دينية إلى التقوقع حول الذات وإعادة هيكلة علاقاتها مع الأطراف الأخرى على أسس من التناحر القائم على النزاع أو الغيرة أو الحسد، وليس على أساس التعاون أو التكامل أو التنافس الشريف الذي يقوم على احترام الرأي الآخر ويقبل مبدأ المساواة بين الناس في الحقوق والواجبات والمصالح.

وهذا يعني، وخلافا للتعددية السياسية، أن التعددية الثقافية والعرقية والدينية لا تخدم العملية الديمقراطية، إذ تميل إلى إضعاف التزام المواطنين بمبادئ الحرية والعدالة والمساواة في الحقوق والواجبات.

حين تشكل إحدى التجمعات العرقية أو الطائفية أو الدينية أو الثقافية أكثرية سكانية، فإن تلك الأكثرية تصبح صاحبة القرار في المجتمع، والتجمع الأكثر قدرة على الهيمنة على العملية السياسية، مما يجعل احتمالات وجود أو تبلور ديمقراطية فاعلة وعادلة ضعيفة إلى حد بعيد.

وفي الكثير من الحالات والأحيان تؤدي سيطرة الأغلبية على الأقلية إلى ممارسة التفرقة العنصرية ضد بعض أو كل الأقليات، واتجاه الأغلبية إلى حرمان الأقلية من الوصول إلى سدة الحكم.

وفي الواقع، تقوم الديمقراطية المؤسسة على نظام الانتخاب المباشر وإعطاء صوت واحد لكل فرد من السكان إلى تكريس حكم الأغلبية وحرمان المجتمع في الغالب من جهود ومواهب الأقليات.

وهذا يستدعي إعادة النظر في المعادلة الديمقراطية المؤسسة على المساواة في حقوق التصويت أثناء العملية الانتخابية، واستنباط معادلات جديدة تصون حقوق الأقليات وتضمن تمثيلها في المجالس النيابية.

إن من الملاحظ أن التعددية السياسية كانت قد أخذت في التراجع في كل المجتمعات الديمقراطية منذ بضعة عقود، وذلك بسبب الهجرة السكانية من العالم الثالث من ناحية، وحصول ردة ثقافية ودينية وعرقية في تلك المجتمعات من ناحية ثانية.

ولقد جاءت تلك الردة نتيجة لممارسات التفرقة العنصرية ضد الأقليات، واتجاه الدولة عموما إلى التغاضي عن احتياجات الفقراء من أبناء الجاليات العرقية والأقليات الثقافية.

وعدم توفير الوظائف وفرص التعليم والخدمات الصحية والاجتماعية اللائقة لهم. وهذا أدى إلى زيادة حدة المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بوجه عام، واتساع نطاق التعددية غير السياسية والتي يتعارض وجودها أصلا مع العملية الديمقراطية.

إلى جانب ذلك، ساهم انهيار الاتحاد السوفييتي وفشل نظم الحكم الاشتراكية في تراجع أهمية ودور العقائدية أو الأيديولوجية في الحياة السياسية عامة.

واتجاه الأحزاب السياسية عموما والناشطين السياسيين خصوصا إلى التحرك في اتجاه الوسط من النواحي الفكرية والاقتصادية والابتعاد عن التطرف الإيديولوجي. ولقد ساهم هذا التطور في تقليص حجم الخيارات السياسية أمام الناخبين، واضعف حماسهم للعملية الديمقراطية ومساهماتهم في العملية الانتخابية.

وبينما كان قادة المجتمع الديمقراطي يتحركون في اتجاه الوسط ، كان الإعلام الغربي، خاصة الأمريكي يقوم بالاستيلاء على الدور المجتمعي للحزب التقليدي.

وفي الوقت ذاته كانت العولمة الاقتصادية تعزز دور الاحتكارات الصناعية والتجارية والاستثمارية الكبيرة وتضعف فرص المبادرة الفردية، خاصة في مجالات الاستثمار الصناعية والمالية.

وعليه يمكن القول أن التعددية السياسية والتي من شأنها فتح المجال واسعا أمام الناخبين للمشاركة في العملية الديمقراطية هي اليوم في تراجع، وأن التعددية الاقتصادية، أو الحرية الاقتصادية التي تتيح الفرصة للمبادرات الفردية وقيام الشركات الصغيرة بالمشاركة في العملية الاقتصادية التنموية تعاني هي أيضا من الضعف.

وهذا يؤدي إلى تراجع قدرة المجتمع الديمقراطي عموما على توجيه العملية السياسية وإحكام رقابته على العملية الاقتصادية، مما يفتح المجال لمزيد من التسلط السياسي والاحتكار الاقتصادي. وفي المقابل، تعيش التعددية الاجتماعية المؤسسة على العرق والدين والثقافة حالة انتعاش.

مما يقود إلى هيمنة الأكثرية على السلطة وعزل الأقلية، وتفتيت مجتمع الدولة الواحدة إلى مجتمعات متنافسة أو متناحرة، وتمزق الثقافة الوطنية إلى ثقافات فرعية متباعدة، وإعطاء الممارسات العنصرية قدرا من الشرعية والواقعية.

وهذا يعني باختصار أن التعددية السياسية، أحد أهم شروط نجاح الديمقراطية في المجتمع، لم تعد متواجدة بالكيفية وبالقدر المطلوب للقيام بدورها التقليدي في دعم العملية الديمقراطية، وأن التعددية الثقافية التي تتعارض مع متطلبات نجاح العملية الديمقراطية هي اليوم في تصاعد. لذلك لم يعد بإمكان الديمقراطية .

حيث وجدت تحقيق الأهداف المجتمعية التي قامت من أجلها وتوفير الفرصة لقيام الشعب بحكم نفسه بنفسه، أو لإحكام رقابته على العمليات السياسية والاقتصادية والإعلامية كما كان عليه الحال في الماضي القريب. وهذا يفرض العمل على المفكرين استنباط صيغ ديمقراطية جديدة تعيد للعملية الديمقراطية مصداقيتها.

وتعمل في الوقت ذاته على تحقيق المساواة والعدل وصيانة حقوق المواطنين، خاصة في ضوء التوجه المتسارع نحو الديمقراطية في العالم الثالث حيث يقوم التمحور الديني والصراع العرقي بتفتيت المجتمع وتمزيق الثقافة وزيادة حدة المشاكل المجتمعية وتعطيل التحولات الاجتماعية ومحاولات التنمية الاقتصادية.

Professorrabie@yahoo.com

أكاديمي أميركي من أصل عربي

طباعة Email