لايزال القرار الأخير لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة «حفظه الله» بانتخاب نصف أعضاء «المجلس الوطني الاتحادي» من مجالس كل إمارة من الإمارات السبع، وتعيين النصف الآخر، مثيراً للتأمل والتفكير، ولايزال يستحث في الذهن مجموعة من الأسئلة.

وقد طرحنا هذه الأسئلة في مقال سابق بعنوان «أسئلة حول المرحلة الجديدة» وكان أولها السؤال: ما هي الشروط التي يجب ان تتوفر في المرشحين؟

وقد ناقشنا هذه الشروط في ذلك المقال السابق. وتبقى أمامنا الأسئلة الأخرى التي طرحناها، وسوف نناقش في مجموعة المقالات الجديدة السؤال الثاني منها: هل الدستور الحالي ملائم لطبيعة مجلس منتخب؟ أم لا بد من تعديل الدستور؟

فلا شك ان لكل مرحلة متطلبات، ولا بد أن تتم إعادة صيغة الدستور كي يتلاءم مع الأوضاع الجديدة ويتواكب مع المرحلة المقبلة، لاسيما أن الدستور الحالي كان في الأصل دستوراً مؤقتاً، تم وضعه عند نشأة الاتحاد المبارك بين الإمارات السبع سنة 1971.

ولابد قبل أية مناقشة للدستور، أن تكون لدى القارئ الإماراتي بعض المعلومات عن الدستور الحالي وتاريخه، حتى يكون على علم دقيق به، وحتى تتكون لديه الثقافة الدستورية اللازمة، والتي لا مفر منها لأي مواطن يعيش في نظام ديمقراطي. فالثقافة الدستورية جزء من الثقافة الديمقراطية.

وكما قلنا فإن الدستور الحالي كان في الأصل «دستوراً مؤقتاً» تم وضعه عند بداية الاتحاد. وجاء نص في هذا الدستور يفيد أنه مؤقت، وهذا النص هو «®. إلى أن يتم إعداد الدستور الدائم للاتحاد نعلن أمام الخالق العلي القدير وأمام الناس أجمعين موافقتنا على هذا الدستور المؤقت المذيل بتوقيعاتنا ليطبق أثناء الفترة الانتقالية المشار إليها فيه».

وكان ذلك عندما اجتمع حكام إمارات كل من أبوظبي ودبي والشارقة وعجمان وأم القيوين والفجيرة، وأعلنوا أن إرادتهم وإرادة شعب الإمارات قد تلاقت ـ وهنا نحن نستخدم العبارات نفسها الواردة في مقدمة الدستور ـ علي «قيام اتحاد بين هذه الإمارات من أجل توفير حياة أفضل.

واستقرار أكبر ومكانة دولية اتحادية مستقلة ذات سيادة قادرة على الحفاظ على كيانها وكيان أعضائها متعاونه مع الدول العربية الشقيقة ومع كافة الدول الأخرى الصديقة الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، وفي الأسرة الدولية عموماً على أساس الاحترام المتبادل وتبادل المصالح والمنافع.

ورغبة كذلك في إرساء قواعد الحكم الاتحادي خلال السنوات المقبلة على أسس سليمة، تتماشى مع واقع الإمارات وإمكانياتها في الوقت الحاضر وتطلق يد الاتحاد بما يمكنه من تحقيق أهدافه وتصون الكيان الذاتي لأعضائه بما لا يتعارض وتلك الأهداف.

وتعد شعب الاتحاد في الوقت ذاته للحياة الدستورية الحرة والكريمة مع السير به قدماً نحو حكم ديمقراطي نيابي متكامل الأركان في مجتمع عربي إسلامي متحرر من الخوف والقلق».

من الواضح أنه كان هناك وعي بأن ذلك الدستور يتماشى مع واقع الإمارات، وإمكانياتها في الوقت الحاضر» أي في ذلك الوقت، وليس الآن بما يؤكد مشروعية النقاش حول دستور جديد يتلاءم مع المرحلة الجديدة، فالدستور السابق نفسه يعطي المشروعية لنشأة دستور جديد.

ومن الواضح أيضاً أن الدستور الحالي يعطي المشروعية الدستورية لقرار صاحب السمو رئيس الدولة «بتوسيع نطاق الممارسة الديمقراطية، حيث جاء قراره السامي نابعاً من نص الدستور الذي وعد بإعداد شعب الاتحاد في الوقت ذاته للحياة الدستورية الحرة الكريمة مع السير به قدما نحو حكم ديمقراطي نيابي متكامل الأركان في مجتمع عربي إسلامي متحرر من الخوف والقلق».

ومن الملاحظ أن السلطة العليا بموجب هذا الدستور هي المجلس الأعلى للاتحاد الذي يضم حكام الإمارات السبع، والذي ينتخب رئيساً ونائباً للرئيس من بين أعضائه. ويعين الرئيس رئيس مجلس الوزراء والوزراء.

أما المجلس التشريعي فيتمثل في المجلس الوطني الاتحادي، الذي يتمتع بالصفة الاستشارية، والذي يضم حسب المادة «68» من الدستور «34» عضواً، ويوزع عدد مقاعد المجلس على الإمارات الأعضاء كما يلي:

أبوظبي «8» مقاعد، دبي «8» مقاعد، الشارقة «6» مقاعد، عجمان «4» مقاعد، أم القيوين «4» مقاعد، رأس الخيمة «4» مقاعد، الفجيرة «4» مقاعد.

قرر المجلس الأعلى للاتحاد في اجتماعه يوم «20 مايو 1996»، اعتبار الدستور المؤقت دائماً، وذلك بحذف كلمة «مؤقت» من نصوص أحكام الدستور. كما قرر أن تكون مدينة أبوظبي عاصمة للدولة بشكل نهائي. حيث كانت أبوظبي قبل ذلك هي المقر المؤقت.

وأدخل المجلس الأعلى للاتحاد في نهاية «2003» تعديلاً على المادة «121» من الدستور تقضي بأن ينفرد الاتحاد بتنظيم المناطق المالية الحرة في الدولة بقانون ينظم طريقة إنشائها والضوابط اللازمة لمباشرة تلك المناطق لأعمالها بما يصون مصالح الاتحاد العليا.

ويهمنا في هذا السياق من الدستور الجزء المتعلق بالمجلس الوطني الاتحادي، وقبل أن نتحدث عن ضرورة أي تعديل فيه لابد من معرفة بنود الدستور الحالي وتحليلها للنظر في مدى ملاءمتها للأوضاع الحالية،.

لاسيما بعد التطورات الدولية والمحلية التي جعلت الإمارات في وضع مختلف عن الماضي، ذلك الماضي الذي يفصل بيننا وبينه أكثر من 35 عاماً.

وإذا كانت هذه الأعوام قليلة في القرون السالفة التي كان يجري فيها التغيير ببطء، فإنها في عصرنا الحالي عصر العولمة والقرية الكونية الواحدة وثورة المعلومات باتت كأنها أيام معدودة، ولا أدل على ذلك من أن التطور الذي مرّت به الإمارات في هذه العقود الثلاثة يفوق ما مرّت به في قرون طويلة، بفضل قيادة واعية ومخلصة وشعب أصيل.

ولذا فالتغيير ضروري من أجل ملاءمة الوضع الجديد الذي صرنا إليه. ولنا لقاء آخر مع القارئ الإماراتي لتحليل الجزء المتعلق بالمجلس الوطني الاتحادي في الدستور الحالي الذي كان مؤقتاً ثم صار دائماً، للنظر في مدى ملاءمته ومناسبته، ليس فقط بسبب التطورات الدولية.

ولكن للنظر أيضاً في مدى ملاءمته لقرار صاحب السمو رئيس الدولة بانتخاب نصف أعضاء «المجلس الوطني الاتحادي»، خاصة وأن الدستور الحالي ـ كما قلنا مراراً ـ كان في الأصل دستوراً مؤقتاً عند نشأته بنص هذا الدستور نفسه في الباب العاشر الخاص بالأحكام الختامية والمؤقتة.

حيث نصَّت المادة 144 على أنه «تسري أحكام هذا الدستور خلال فترة انتقالية مدتها 5 سنوات ميلادية». ومن هنا فلا بد من إعادة التفكير حول الموضوع، لا سيما الجزء المتعلق بالمجلس الوطني الاتحادي في الدستور. وهو ما سوف نقوم به في المقال المقبل بإذن الله؛ حتى يحقق قرار صاحب السمو رئيس الدولة كل أغراضه الوطنية.

منسق أكاديمي ـ جامعة الإمارات