إنهم يخططون لعزل «حماس» عن طريق تحييد انتصارها الكاسح ليكون هذا الانتصار سالباً على نحو ما. لكن إذا وجدت حماس نفسها محشورة في زاوية فإنها سوف تنقض وتعض ـ وليستذكروا أنها أصبحت الممثل الشرعي للشعب الفلسطيني.
هناك فيما يبدو عملية توزيع أدوار ثلاثية: إسرائيل والولايات المتحدة ومجموعة القيادات التي تتحدث باسم «فتح».الدور الرئيسي لإسرائيل هو منع البرلمان الفلسطيني الجديد الذي تسيطر حماس على عضويته من ممارسة عمله. هذا ليس تكهناً.
فقد أصدرت قيادة الجيش الإسرائيلي قراراً يقضي بمنع قادة حماس ونوابها البرلمانيين من التنقل بين قطاع غزة والضفة الغربية بالإضافة إلى أن العناصر القيادية ستكون أيضاً معرضة للاعتقال.
وإذا أخذنا في الاعتبار أن غالبية العضوية في المجلس التشريعي تتكون من نواب حماس فإن تطبيق الإجراء الإسرائيلي يعني أنه لن يتوفر للمجلس في أي وقت نصاب قانوني.
من ناحية أخرى سوف تتوقف الحكومة الإسرائيلية ـ وهذا معلن رسمياً ـ عن تحويل الأموال المستحقة للسلطة الفلسطينية من حصيلة الرسوم الجمركية الشهرية التي تتقاضاها السلطات الإسرائيلية عن السلع المستوردة إلى الأراضي المحتلة. والهدف الواضح بالطبع هو حرمان حكومة تشكلها حماس أو تشارك في تشكيلها من أي موارد مالية من أي مصدر.
هذا الموقف الإسرائيلي يتطابق تماماً مع الموقف الأميركي. فقد قررت إدارة بوش أنه في حالة تشكيل حكومة «حماسية» فإنها ستوقف ما تقدمه إلى السلطة الفلسطينية من مساعدة سنوية في حدود 235 مليون دولار ـ وهي في الحقيقة ليست تمويلاً تنموياً يفيد منه الشعب الفلسطيني وإنما هي مساهمة لتمكين السلطة أساساً من الوفاء برواتب العاملين في أجهزتها.
أما مجموعة قيادات فتح فإنها تعمد إلى إكمال الدورين الإسرائيلي والأميركي عن طريق النأي بنفسها عن المشاركة مع حماس في تشكيل حكومي بأمل ان تكون الحكومة معزولة محلياً وخارجياً.
هذا مما يفسر لماذا تقدم أحمد قريع باستقالة حكومته حتى قبل أن تعلن نتائج الانتخابات البرلمانية رسمياً. وتراهن القيادات الفتحاوية فيما يبدو على بقاء الرئيس محمود عباس ـ وهو في الوقت نفسه الأمين العام لحركة فتح ـ على رأس السلطة مما ينبئ باحتمال اختلاق صدامات بين الرئاسة والمجلس التشريعي بهدف تحجيم دور المجلس ولجم توجهاته السياسية المناهضة لاتفاق أوسلو.
والسؤال الذي يطرح هو: هل تنجح عملية محاصرة حماس وعزلها في حالة توليها السلطة؟
إن إسرائيل والولايات المتحدة ترتكبان مخاطرة. فتطبيق القرارات بشأن تعطيل مهمة المجلس التشريعي ومنع تمويل الجهاز السلطوي الفلسطيني ربما تؤدي إلى إحداث ردات فعل على الصعيد الشعبي تعكس تعاطفاً مع حماس.
ومن ناحية أخرى فإنه قد تنشأ ردة فعل شعبية مماثلة ضد قيادات فتح خاصة أن هذه القيادات باتت مستهدفة الجماهيرية منذ إعلان نتائج الانتخابات في سياق اتهامات متصاعدة بالفساد ضد هذه القيادات ومطالبات باستقالتها.
يبقى رد فعل حماس. فإذا ثبت لديها أن المراد لها ان تحشر في زاوية فانه سيكون متاحا لها تشكيل حكومة مقاومة تجمع ممثليها مع ممثلي الفصائل الأخرى والشخصيات المستقلة المنشقة عن فتح.
مثل هذه الحكومة سيكون لها أجندة ثورية في مقدمتها الملاحقة القانونية لرموز الفساد وإجراء حركة تطهير واسعة النطاق بين قيادات الأجهزة الأمنية الحالية.