لماذا يكرهون «حماس»؟لا أقصد القيادات الإسرائيلية المتعاقبة، ولا عصابة «المحافظين الجدد» التي تمثل الحركة اليهودية الصهيونية داخل البيت الأبيض الأميركي، ولا أقصد الزعامات الأوروبية المسكونة بهاجس الخوف من أن تلصق بها تهمة «معاداة السامية».

إنني أقصد أقطاب «أوسلو» في فصيل «فتح» وبعض الأنظمة العربية الحاكمة، ومن يتبعها من معلقين إعلاميين.

أقطاب أوسلو رأوا في اتفاقية أوسلو منذ الوهلة الأولى نهاية المشوار والمنتهى ليتفرغوا لهواية جمع المال الحرام، فهم رجال أعمال يستخدمون السياسة لغايات الإثراء الشخصي، حتى لو تطلبت ضرورات المصلحة الذاتية خدمة الأهداف الإسرائيلية المدعومة أميركياً.

الهاجس الأعظم لهؤلاء الآن هو أن في مقدمة أجندة «حماس» التحقيق في ممارسات الفساد. فالشعب الفلسطيني يتشوّق إلى معرفة ومحاسبة من ساهموا في عملية بناء الجدار الإسرائيلي الفاصل والوسيط الفلسطيني الذي استورد الأسمنت من مصر لبيعه إلى الإسرائيليين. ويريد الشعب الفلسطيني ـ الذي أصبحت «حماس» الآن ممثله الشرعي الأكبر ـ أن يعرف أيضاً:

من تعاون مع الأجهزة الإسرائيلية تحت بند «التنسيق الأمني» في إبلاغ معلومات عن تحركات شخصيات نضالية كانت تستهدف بعمليات الاغتيال الإسرائيلية. بعض الأنظمة العربية الحاكمة لها أيضاً أسبابها المفهومة لكراهية «حماس» الإسلامية.

فالاكتساح الشامل الذي سجّلته «حماس» في العملية الانتخابية الفلسطينية يأتي في أعقاب فوز «الإخوان المسلمين» في مصر، ما يجعل هذه الجماعة أكبر كتلة معارضة في البرلمان المصري.

وهكذا تدرك هذه الأنظمة أن التنظيمات الإسلامية الراديكالية ستبرهن عملياً أنها الأقوى في ساحة الصراع السياسي، إذا أتيح لها دخول منافسة انتخابية، حتى لو كانت نصف حرة ونصف نزيهة.

أما الإعلاميون التابعون لبعض الأنظمة الحاكمة بالانتماء أو بالانتساب، طوعياً أو توظيفياً، فإنهم على قسمين: هناك انهزاميون بالسليقة، وهناك عملاء بالأجر وجميعهم يتشاطرون كراهية نابعة من رعب تجاه أي شيء إسلامي. ولذا فإن مقتهم لـ «حماس» الفلسطينية امتداد طبيعي لمشاعرهم تجاه «إخوان» مصر و«حزب الله» اللبناني وغيرهما في العالم العربي. هؤلاء جميعاً تشابهت قلوبهم.

وجاء انتصار «حماس» الكاسح ليفضح مكنون هذه القلوب. فهم الآن يتبنّون الرؤية الأميركية الغربية التي تهدف إلى إجهاض هذا النصر عن طريق تفشيل «حماس» على صعيد مسؤولية الحكم. إنهم يتحدثون الآن عن ضرورة «الالتزام» بالاتفاقات الدولية كناية عن عدم التزام «حماس» باتفاق أوسلو ومن بعده مشروع «خريطة الطريق» وكأن أوسلو لا يزال على قيد الحياة. اتفاق أوسلو مات وشبع موتاً. والقاتل اسمه أرييل شارون. ألا يعرف أركان السلطة الفلسطينية هذه الحقيقة؟

أما مشروع خريطة الطريق، فقد مات بدوره خنقاً على أيدي القادة الإسرائيليين بعد أن سجلوا على هامشه 14 تحفظاً أفرغته تماماً من أي مضمون.

نفهم لماذا يكره الإسرائيليون وعصابة المحافظين الجدد الأميركية حركة «حماس» ومن ورائهم الأوروبيون وبالتالي يجزعون من نصرها. إنهم أسرة واحدة. فلماذا يجزع بعض العرب ما لم يكونوا تواقين للانتساب إلى هذه الأسرة؟