مثلما لم تفض جميع العوامل ومحاولات التأثير الخارجية إلى حرف مسار ما أفرغته صناديق الاقتراع في الانتخابات التشريعية الفلسطينية الأخيرة، لن تشكل التهديدات الغربية عموماً والإسرائيلية على وجه الخصوص بعدم التعامل مع حكومة فلسطينية على رأسها حركة لطالما اعتبرت «إرهابية».
وبإغلاق صنبور المساعدات المقدمة للشعب الفلسطيني في الضفة الغربية وقطاع غزة ـ لن تشكل سوى زوبعة في فنجان، ذلك أن الواقع السياسي الجديد سيفرض نفسه على الساحتين الإقليمية والدولية بسبب شرعيته.
فضلاً عن ان حركة حماس نفسها أعربت بعيد فوزها الساحق بغالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني عن الكثير من المواقف والرؤى البراغماتية التي تؤكد من خلالها على استعداد مبدئي من طرفها للتناغم مع متطلبات الساحة الداخلية الفلسطينية ومع محيطها الإقليمي والدولي.
لكن أبرز ما يتجلى في تداعيات هذا النصر الانتخابي، الذي قلب المشهد السياسي ليس في فلسطين فحسب، بل في عموم المنطقة، هو حماس رموز السلطة الوطنية الفلسطينية وحركة فتح لنقل السلطات دفعة واحدة.
وعلى وجه السرعة إلى سيد المجلس التشريعي الجديد، الأمر الذي لا يندرج إلا في إطار محاولات هؤلاء لرمي الحمل كله على كاهل قوة سياسية حديثة العهد في أمور الحكم، اعتقاداً منهم بأن هذا يفوق قدراتها على تحمل المسؤوليات الوطنية الجسيمة .
وبالتالي سيؤدي إلى وقوفها عاجزة مكتوفة الأيدي أمام وابل الملفات المعقدة والعصية على الحل أصلاً المطروحة عليها حتى قبل ان تتسلم فعلياً مقاليد الحكومة الفلسطينية القادمة.
وأبرز التداعيات جاء من جانب رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع، الذي قدم استقالته حتى قبل صدور النتائج الرسمية للانتخابات، متوجاً بذلك مسيرة سياسية أبرز ما فيها هو الجلوس على طاولة مفاوضات سرية مع الطرف الإسرائيلي في أوسلو والتوصل إلى اتفاق سري أيضاً عرف بالاسم نفسه، بينما كانت تعقد الجلسات العلنية لمؤتمر السلام في مدريد في بداية التسعينات.
ولم تقتصر تداعيات المشهد السياسي الفلسطيني الداخلي على الجانب السياسي فقط، بل طالت التحركات الميدانية في الشارع والاستيلاء على مقري المجلس التشريعي في غزة والضفة تارة من قبل أنصار حركة حماس وتارة أخرى من قبل أنصار حركة فتح ما يجعل التخوف مشروعاً من إمكانية ان يتحول هذا العرس الوطني إلى كارثة وطنية، خاصة.
وأن هناك من يترصد وضعاً كهذا ويعمل على إضرام نار داخلية فيه، إن اشتعلت سوف تحرق الأخضر قبل اليابس وستأتي على كل ما انجزه الشعب الفلسطيني حتى الآن.
كل ذلك يشير إلى ان فوز حماس ربما ينقلب الى هزيمة حزبية وخسارة وطنية إن هي لم تحسن إدارة الدفة على أحسن وجه، فهناك حقل واسع من الألغام يتعين عليها اجتيازه في المرحلة المقبلة، بدءاً بمفاتن السلطة وأعبائها.
وليس انتهاء بأن كل هذا النصر قد لا يعني شيئاً إن لم يجسد تطلعات مجموع الناخبين الذين منحوا حركة حماس فرصة لن يرحمها أحد إن هي أفلتت منها أو تخاذلت أو عجزت عن تحقيق تلك التطلعات.
في المقابل، فإن خسارة فتح قد تنقلب الى نصر حزبي وإنجاز وطني إن هي أحسنت القيام بمراجعة تاريخية لأوضاعها الداخلية ومنهجها السياسي على مر العقد الزمني الأخير.
بحيث يتم التصدي بشكل حقيقي وبالدرجة الأساسية لملف الفساد الذي ينخر عظم هذه الحركة الوطنية، التي كان لها الفضل في تثبيت الهوية الوطنية الفلسطينية بشكلها الحالي، الذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني في جميع أماكن تواجده.
والذي أدى إلى فساد سياسي لم يدخر فرصة واحدة إلا وقدم فيها تنازلات من شتى الأنواع على حساب القضية الوطنية للشعب الفلسطيني هذا الشعب الذي يعتبر الفائز الأول والأخير في هذه العملية الديمقراطية المشرقة والمشرفة.