هل تعيش فقط لتعمل؟ سؤال أطرحه، ولا انتظر أن ترد عليه بينك وبين نفسك، ولكنه سؤال أطرحه بمرارة شديدة، لدرجة يفيض بها الدمع من المآقي، لأني على ثقة أن معظم الأجوبة ستأتي بنعم في زحمة أيام هذا الزمن.
فهل نعيش فقط لنعمل؟ أين الوقت للعاطفة؟ أين الوقت للحميمية؟ أين الوقت لكل المشاعر الجميلة بين أفراد الأسرة والتي تعطي للحياة ألوانها الزاهية؟
أين الوقت للحب، للتواصل، لإشباع رغبات النفس، بعيداً عن الواجبات المفروضة علينا فرضاً؟ وأين الوقت حتى للعلاقة الحميمة الصادقة، التي هي من الأوقات النادرة التي تصفى فيها النفوس من منغصات الماضي ومكدرات المستقبل، لأنها تستدعي تركيز الذهن على الحاضر فقط؟ في زحمة الحياة، أصبح لا وقت لدينا لكل تلك «الترهات».
متى كانت آخر مرة لعبت فيها بالطائرات الورقية مع أطفالك واستمتعت معهم وتصرفت معهم كطفل كبير وأعدت شحن طاقاتك ونفسيتك؟
متى كانت آخر مرة تأملت فيها عيني زوجك ونفذت ببصيرتك إلى عمق روحه حتى اندمجت روحاكما وتلاقتا وعرفت خفايا نفسه دون أن ينبس ببنت شفة؟ متى كانت آخر مرة أثنيت فيها على خادمك بشكل أو بآخر لقيامه بعمل ما بإتقان؟ أم لم تفعل كل ذلك يوماً؟
لقد تحولت نفوس أكثرنا إلى صحارى قاحلة تتوق بجموح لرشة مطر من أمطار العواطف بسبب تحمل فرد واحد أعباء ومسؤوليات أفراد عدة، كما تعبنا من كثرة العطاء، حتى أصبحنا أكواباً فارغة، بل وجافة، لا يقدرنا أحد، ولا يشيد أحد بما نعمله. لا نريد لأوقاتنا أن تمضي فحسب، بل نريدها أن تمضي بسعادة.
إننا نحتاج للإبداع في علاقاتنا بمن حولنا تماماً كما نبدع خلف مكاتبنا. نحتاج للإبداع في علاقاتنا بأزواجنا، بأطفالنا، وبالخدم، ليتحول المنزل الذي نأوي إليه في المساء إلى جنة لا حدود للسعادة فيها.
لا يكفي أن نكون ملتمين تحت سقف واحد، بل لا بُدَّ من وجود علاقات وطيدة بين أفراد الأسرة الواحدة، وتلك لا تأتي إلا عن طريق الإبداع فيها، وتقليبها يمينا تارة وشمالاً تارة أخرى.
ولا بُدَّ من التواصل بالأفكار والآراء. ولهذا الغرض نحتاج من يأخذ بأيادينا من متخصصين في العلاقات الأسرية، على قدر كبير من العقل والحكمة. كما نحتاج لخطوط ساخنة، تحل المشكلات الاجتماعية والأسرية التي تعصف بكل منزل، حتى أضحت بعض منازلنا جحيماً لا يطاق من جهل ساكنيها بأن السعادة تبعد عنهم شبراً.