على عكس الكثير من المحللين كاتب هذه السطور متفائل بوصول حماس إلى سدة الحكم في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لعدد من الأسباب الموضوعية، ليس من بينها الحماس للأفكار السياسية التي تحملها.
إذا كان صحيحا نسبيا أن هتلر كان الرافعة الحقيقية لإنشاء الدولة العبرية، كما يذهب كثير من المؤرخين الإسرائيليين الجدد، فان إسرائيل هي الرافعة الحقيقة لحماس.
على ما تبدو الفكرة مزعجة للبعض، إلا أنها حقيقة يعرفها كل من درس تاريخ الدولة العبرية وتاريخ نشأة حماس. هذا لا يعني أن حماس لم تخرج من الوصاية، فقد استفادت كثيرا من جملة من المتغيرات على الأرض، لتشن مقاومة فعالة.
كما استفادت الدولة العبرية من جملة متغيرات بعد الحرب العالمية الثانية وموقف النازية من اضطهاد اليهود لتبني دولة لها. ربما حتى هذه النقطة تتوقف المقارنة بين الاثنين.
حماس من خلال صناديق الانتخاب ثبت أنها تحمل جملة مشاعر الشارع الفلسطيني في الداخل، كما أنها نظمت حملتها الانتخابية بشكل جاد ومنظم، في مقابل تفسخ شديد في الطرف الآخر، وهو فتح ومن يدور حولها من منظمات.
فتح خسرت لعدد من الأسباب ليس من بينها (الموقف من عملية السلام) خسرت بسبب الخلافات بين قبائل فتح، وبسبب الفساد الذي تفشى بين (الابوات) من جملة عوامل أخرى.
حقيقة الأمر أن لحماس اليوم أغلبية في المجلس التشريعي تؤهلها حسب المنطوق الديمقراطي أن تشكل حكومة. منطق الحكومة غير منطق المعارضة، ومنطق المسؤولية غير منطق المزايدة في الشارع. لذا فان هناك عددا من القضايا التي لا بد من مواجهتها لعلها تتبلور في أربع قضايا مركزية:
القضية الأولى أن شؤون الدنيا غير شؤون الدين، فالمرجعية التي اتبعتها حماس حتى موعد الانتخابات الخلط المحبب لدى الجمهور الفلسطيني بين السياسة والدين، بسبب لا يستطيع عاقل أن يغفله، وهو الإحباط الشديد في الشارع الفلسطيني، كان هذا الإحباط يخفف منه بالشعارات وتقديم الضحايا التي لم تتوان إسرائيل في الإكثار منهم من قيادات حماس، أما اليوم فالجمهور يريد أن يتعلم ويتطبب ويفاوض.
ويقلل الخسائر البشرية، كل ذلك يحتاج إلى الفصل بين شؤون الدين والدنيا، كانت حماس تضع الملامة في تدهور الأوضاع على(آخرين) وكانت شبه حرة متى تقوم بالتهدئة ومتى تقوم بالتصعيد، أما اليوم فانها لا تستطيع مهما بلغ قادتها من قدرة على الإقناع وهامش بلاغي عالي المستوى، أن تنفك عن تقديم نتائج ملموسة للناس وتسعى لطمأنتهم.
القضية الثانية هي العلاقة بالداخل الإسرائيلي وبالخارج العربي والدولي، فالداخل الإسرائيلي مقدم على انتخابات عامة قريبة، وعلى ما سوف ترسله حماس ( السلطة) من إشارات سياسية سيتوقف عليه مؤشر الانتخابات الإسرائيلية القادمة، فان قدمت أفكارا سياسية معتدلة .
وبشكل واضح يتعامل مع الوقائع على الأرض، ربما حمل ذلك الجمهور الإسرائيلي الميل إلى جهة المعتدلين في ساحته، أما إذا اشتد حماس (حماس) اللفظي استجابة لأوهام النصر والانتصار، فإن ذلك الجمهور سيميل إلى الآتيان بجماعات متشددة تقف على نفس الأرضية الرافضة.
وهو بالتالي أي حماس تغامر بفقدان عامل مهم من العوامل التي لم تنجح حركة تحرير في العالم أن تجاهلته وهو عامل (التعاطف معها) في الجسم الداخلي للعدو. أما العلاقة العربية فهي أكثر تعقيدا.
حيث أن استمرت حماس بعدد متنافر في الرؤوس القيادية، كأن يكون لها قيادة داخلية وقيادة خارجية، التناقض بين القيادتين لا بد واقع، عدا التناقض بين القيادات الداخلية التي نسمع لها أصواتا تتقاطع مع المنطق، منذ اللحظة الأولى لتسجيل الانتصار الانتخابي.
آما البعد الدولي فهو أكثر تعقيدا، حيث المخاطرة بفقدان القضية برمتها التعاطف الدولي (الذي أنشأ إسرائيل في البدء) سيجعل من الفلسطينيين، وليس حماس فقط، الخاسر الأكبر، حيث الانحسار سيكون ذا تأثير متوالية هندسية، بمعنى تدهور سريع، سياسي اقتصادي، قد يقود إلى فوضى.
والمجتمع الدولي يريد أن يرى اعترافاً قطعياً بالدولتين، إسرائيل وفلسطين، ويرغب أن يرى وقفا للعنف أو ما يسميه ( الإرهاب) الذي قد يختلف التعامل معه بين حماس في المعارضة وحماس في السلطة، حيث سيكون بين أيديها مؤسسات دولة لا مؤسسات حركة.
القضية الثالثة في حالة اتخاذ قرارات تاريخية سيصيب حماس ما أصاب سابقتها فتح، وربما بشكل اكبر وأكثر، لأن روح حماس (الدولة) لا بد أن يسير على الطريق السياسي، و(تثقيف) حماس المعارضة يتبنى الغلظة في القول والعمل.
وهما طريقان متناقضان، قد يؤديان إلى انشقاقات، أولها بين الداخل وبعضه، ويده في النار، والخارج وبعضه ويده في الماء وأيضا بعض يده مصافحة لقوى أخرى لها أجندة قد تكون مختلفة. مما يشكل ثنائية تذكرنا بكثرة الانشقاقات في فتح الأم.
القضية الرابعة أن حماس لا تملك كوادر الدولة، هي تملك كوادر المقاومة، اما تسيير الدولة فتحتاج إلى عناصر وخبرات مختلفة كثيرة، منها سفراء ومفاوضون وخبرات اقتصادية، جيش كبير من أهل الخبرة، فإن هي اعتمدت على الكوادر السابقة في السلطة الفلسطينية، أثارت حفيظة محازبيها.
وربما لم تستطع اجتثاث (الفساد) الذي يشكو منه المواطن الفلسطيني، وان هي جلبت كوادر ثورية لإدارة الدولة تعثرت الدولة، فالمعروف تواضع كوادر حماس السياسية والاقتصادية والإدارية.
ردة فعل فتح الأولي الذي قالت فيه انها لا تريد الاشتراك في حكومة ائتلافية مع حماس، فيه الكثير من الهروب، وربما هي تريد أن تحصل من حماس على شيء واحد ومهم هو (استمرار التهدئة)، في مثل حالات ما يمر به الشعب الفلسطيني فكرة الائتلاف هي الفكرة الصائبة.
ولهم في شكل تسيير إسرائيل السياسي عبرة، فلم يحكم إسرائيل حزب واحد إلا في النادر، كان الائتلاف هو الشكل السائد، وخاصة في الأزمات، وهل هناك أزمة أكثر مما يواجه الإنسان الفلسطيني اليوم؟
ولكن لماذا بعد كل ذلك القول يميل المراقب للتفاؤل؟ الإجابة أن حماس وقعت في فخ الديمقراطية الحديثة، فهي أصبحت أكثرية نيابية، تحتم عليها أن تنظر إلى خطواتها بحذر وبدقة، وجزء من هذه الدقة إعادة صياغة أجندتها التي أرقت السلطة لفترة طويلة (هي والجهاد) ولأنها الصلب الأكثر فاعلية في الجسم الفلسطيني المقاوم فانها بذلك تستطيع أن تكون أكثر فاعلية في الجسم الفلسطيني المفاوض.
فحماس لها القدرة الآن على اتخاذ قرارات كونها مجموعة صلبة القيادة ومتماسكة لم تفسد كوادرها السلطة بعد، إذا تم ذلك فإن التاريخ له طريقة عجيبة في السخرية.
حيث شجعت حماس في باكورتها الأولى أو على الأقل صُرف النظر عن نبتتها في غزة تحت الاحتلال لعلها توقف انتشار منظمة التحرير، من اجل أن يأتي يوم لم يكن ينتظره احد لتضع لبنات السلام، أما التبريرات، فهي في السياسة يمكن أن توجد، فقد قبلت حماس الخطوة الأولى في خوضها للانتخابات، و هو القبول بمدنية الحكم وسلطة الشعب.
كاتب كويتي