هل هو من باب الصدفة المحضة أو التوافق غير المقصود أن يبلغ عدد المواطنين والمواطنات الباحثين عن عمل خمسة وثلاثين ألفا في عام دولة الإمارات الخامس والثلاثين، أم أنها فرصة ومناسبة لأولئك الذين يجيدون الربط بين الأرقام والأحداث ملغين نظرية الصدفة هذه، باحثين عن أسرار الأرقام وألغازها وحكايات ما وراء الطبيعة؟

أيًّا كان مقدار الطرافة في الربط بين الرقمين فإن الواقع الذي يرسمه عدد المواطنين والمواطنات الباحثين عن عمل ـ حسبما أفادت رئيسة وحدة العلاقات الخارجية في هيئة «تنمية» ـ يقرع أجراس الخطر في دولة غنية، عدد سكانها أربعة ملايين نسمة تقريبا، نسبة المواطنين فيها لا تتجاوز وفق أفضل التقديرات و أكثرها تفاؤلا 18% من عدد السكان، وهي نسبة مرشحة للتناقص حسب المعطيات والحقائق الموجودة على الأرض.

يلفت النظر أيضا أن عدد الإناث الباحثات عن عمل بلغ أربع وعشرين ألفاً وخمسمئة باحثة يمثلن 70% من الإجمالي في إشارة واضحة إلى تحول اجتماعي لم يكن موجودا عند قيام الدولة، وفي دلالة أيضا إلى ارتفاع نسبة الإناث و زيادة مخرجات التعليم بالتالي، وهو ما يؤكده أيضا عدد خريجات مؤسسات التعليم العالي بالدولة مقارنة بعدد الخريجين.

هذه الأرقام التي تثير القلق تقابلها أرقام أخرى تبعث الأسى عندما تذكر رئيسة وحدة العلاقات الخارجية في «تنمية» أن عدد الشواغر الموجودة لديهم هي ألفان و844 وظيفة شاغرة قامت الشركات بعرضها على «تنمية» بشروط تعجيزية؛ منها أن يكون راتب الجامعي 2000 درهم.

ويزيد المشهد مأساوية عدم اعتراف الكثير من جهات العمل بالقدرات الوطنية، والمطالبة بالتخلي عن الزي الوطني، ثم تأتي العقدة الكبرى التي يضعها أرباب العمل في المنشار؛ وهي الخبرة التي يشترطونها في الخريج والخريجة اللذين بالكاد يبدآن حياتهما، إذ كيف سيتأتي لأي منهما اكتساب الخبرة المطلوبة طالما أنه لم تتح له الفرصة للعمل وإثبات وجوده؟!

خمسة وثلاثون ألف مواطن ومواطنة يبحثون عن عمل في دولة توفر فرص العمل للقادمين إليها من جهات الأرض الأربع حقيقة لم يتوقعها أكثر المهتمين بالقضايا الوطنية تشاؤما، وعدد مرشح للزيادة والارتفاع في ظل الواقع المحزن الذي يتحدث عنه مسؤولو «تنمية» .

وهم أكثر الجهات التصاقا بواقع هذه المشكلة الذي ترسمه الأرقام مشيرة إلى وجود أربعة عشر ألفا و925 مواطنا لم يتمكنوا من الحصول على فرص عمل عام 2005 مقارنة بعام 2004 الذي سجل وجود عشرة آلاف و 638 عاطلا، الأمر الذي يعني أن المشكلة تتنامى وتتفاقم دونما حلول جذرية ناجعة أو تفكير جدي في معالجتها.

التهويل والتهوين من حجم هذه المشكلة وجهان آخران من وجوهها؛ ففي حين يقلل البعض من حجمها ويرى أن هناك تقاعسا من قبل الباحثين عن العمل.

أو تعاليا وبطرا وإعراضا عن الوظائف والأعمال المعروضة عليهم، تأتي الحقائق التي يقدمها لنا مسؤولو «تنمية» من واقع الأرقام التي بحوزتهم لتصدمنا، كما تصدمنا بعض الحالات الموجودة على أرض الواقع أيضا كحالة الطبيبين المواطنين الحاصلين على ماجستير في طب الأسنان «تخصص أطفال» اللذين أبديا استعدادهما للعمل مندوبي علاقات عامة في أي جهة بعد أن أعيتهما السبل .

وباءت بالفشل كل المحاولات التي بذلاها للحصول على وظيفة لدى جميع الدوائر الحكومية الاتحادية والمحلية والقطاع الخاص منذ أكثر من عام.

وكحالة المواطن التي عرضها على موقع البيان الإلكتروني معلقا على خبر الطبيبين قائلا إنه يحمل ماجستيرا في علوم الأرض وقد باءت بالفشل أيضا كل محاولاته للبحث عن وظيفة رغم انه مسجل لدى «تنمية».

ويذكر ـ للأمانة فقط ـ أنه قد تلقى «إيحاءات» بإمكانية الحصول على وظائف إدارية ككاتب في بنك، وأخيرا ـ كما أخبروه ـ في قطاع السياحة! وأنه بدوره لم يقبل ولم يرفض تلك «الإيحاءات» مما جعل مسؤولة التوظيف في «تنمية» توجه اللوم له كونه لم يحضر جلسة توجيهية خاصة بقطاع السياحة عقدت وقبلها بقطاع البنوك.

وهو حائر الآن بين قبول هذه العروض البعيدة عن تخصصه وعرض عمل (معقول) في مجال تخصصه مقدم له من شركة بدولة خليجية مجاورة، مبديا عدم رغبته ـ كما يقول ـ في أن يشكل أول حالة اغتراب إماراتي بحثا عن لقمة العيش.

تتوافق مع هذه الحالة على موقع البيان أيضا حالة أخرى لمواطنة صاحبة تخصص نادر هو (علوم بيئة) من جامعة أميركية معروفة ومسجلة لدى «تنمية» منذ أكثر من عام، وقد طرقت أبواب جميع الجهات الرسمية المختصة بمجال البيئة في دبي وأبوظبي .

حيث كانت تواجه بالرد المعتاد (لا توجد شواغر) لتفاجأ بعد شهر أو شهرين بتعيينات لجنسيات أخرى، والتبرير الجاهز دائما في هذه الحالة هو (الخبرة) مما دفعها للتساؤل:

(كيف وأنا لدي خبرة، قد لا تكون بنفس عدد السنوات، ولكن ليس صفرا.أنا مستعدة للعمل في مجال تخصصي من غير راتب حتى أحصل على الخبرة المطلوبة في نظرهم.

لقد أقبلت على هذا التخصص ظنا مني أن الدولة ستكون بحاجة له.. ما العمل الآن؟). فأي تنازل يمكن أن يقدمه مواطن للحصول على عمل في مجال تخصصه أكثر من هذا؟!

هذه نماذج لحالات موجودة على أرض الواقع، وأصوات عقلانية تضع المشكلة في حجمها وإطارها الحقيقي. وهناك أصوات أخرى كثيرة، بعضها موجود على المواقع الإلكترونية، يدفعها الانفعال والإحساس بالأزمة إلى الخروج عن طورها.

مشكِّلةً بذلك شريحة اجتماعية إن لم يتم التعامل معها بالجدية المطلوبة التي يجب أخذ الأمر بها فسوف تُخلِّف صداعا مزمنا وأزمة مستديمة ربما يصعب احتواؤها في المستقبل القريب، ناهيك عن المدى البعيد.

إن دولة مثل دولتنا، تنعم بكل هذا الخير الوفير، وتعيش كل هذا الرخاء المادي، وتوفر فرص العمل والاستثمار للوافدين إليها من كل مكان، لا يفترض أن تقف عاجزة عن تأمين فرص العمل لأبنائها، وهي التي قامت أساسا من أجل توفير سبل العيش الكريم لمواطنيها الذين عانوا من شظف الحياة قبل قيام الاتحاد.

واضطرهم البحث عن الرزق إلى الاغتراب والهجرة للدول المجاورة في ظروف لا يمكن أن تقارن بظروف دولتنا الحالية التي يحسدنا الكثيرون على ما تتمتع به من رخاء، بينما يعاني قطاع لا يستهان به من أبنائها أصعب ما يمكن أن يواجهه إنسان في الحياة، وهو العجز عن تأمين لقمة عيشه وإغلاق أبواب الرزق في وجهه.

لا نريد ولا نتمنى لهذه المشكلة التي تجاوزت مرحلة المهد أن تتحول إلى كرة ثلج لا نستطيع الحد من قوة اندفاعها كي لا تخرج عن نطاق السيطرة بعد أن نكون قد ضيعنا كل الفرص لتفتيتها وإذابتها.

إن قيادة هذا الوطن التي دأبت منذ قيام الدولة على توفير سبل العيش الكريم لأبنائها لاشك قادرة على إيجاد الحلول المناسبة لمشكلة غدت تؤرق قطاعا كبيرا من أبناء الوطن الذين أنهوا دراستهم الجامعية ليجدوا أنفسهم كالأيتام على موائد اللئام.

وهم يتسولون الوظائف والأعمال التي هم أحق بها من غيرهم، كما غدت تؤرق أولياء الأمور الذين يستبد بهم القلق على أبنائهم الذين مازالوا على مقاعد الدراسة، خشية أن يواجهوا المصير الذي يواجهه الآن من سبقهم إلى إنهاء دراسته.

ربما يرى البعض أن الحلول لمشكلة من هذا النوع صعبة، لكننا نرى أنها ليست مستحيلة، كل ما تحتاجه هو بعض القرارات الشجاعة من نوع ذلك القرار الذي اتخذته وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بتوطين مهنة مندوبي العلاقات.

فكم نحن بحاجة إلى هذا النوع من القرارات الشجاعة كي لا تتحول مشاكلنا إلى كرات ثلج لا نستطيع وقف اندفاعها رغم حرارة طقسنا التي تذيب أشد المعادن قوة وصلابة!

aliobaid2000@hotmail.com

كاتب إماراتي