يبلغ عمر حركة المقاومة الإسلامية (حماس) العقدين تقريباً من الزمان. منذ ولادتها في أواخر الثمانينات من القرن العشرين واجهت الانتفاضة الأولى وانتفاضة الأقصى الحالية، ظروفاً غاية في الصعوبة والتعقيد تخطتها بصعوبة بالغة.
وبالرغم من أنها تعتمد على أيديولوجية عقائدية دينية إسلامية إلا أنها تمتلك برنامجاً سياسياً واضحاً وعملياً كاملاً ومتكاملاً في مواجهة طموحات الدولة العبرية التي تهدف إلى القضاء المبرم على وجود الشعب الفلسطيني العربي والمسلم في كل أرجاء فلسطين التاريخية.
في هذا الصدد ساهم العالم الغربي بشكل فعال ليس فقط في إنشاء وتقوية الدولة العبرية بل في إضعاف المقاومة الفلسطينية لذلك الكيان.
منحت الديمقراطيات الغربية كل أشكال الدعم السياسي والاقتصادي والمعنوي والعسكري للكيان الإسرائيلي، وأنكرت ذلك الدعم للفلسطينيين الذين تحولوا إلى مجموعات من اللاجئين داخل وخارج وطنهم فلسطين.
في كل مرة حاول الفلسطينيون استعادة ولو جزء بسيط مما فقدوه كانوا يُمنون بالفشل الذريع بسبب ذلك الدعم اللا-محدود الذي تحظى به الدولة العبرية التوراتية من الديمقراطيات الغربية؛ وما الحروب الفلسطينية والعربية الإسرائيلية إلا خير شواهد على ذلك.
يتولى الحكم في إسرائيل، وكالعادة، مجموعة من غلاة التطرف الديني والفكري والسياسي يقف على رأسهم الآن إيهود أولمرت، متفوقاً حتى على سلفه ارييل شارون في التعصب والتطرف والتنكر لكل ما هو فلسطيني أو عربي أو مسلم في فلسطين وخارجها.
حتى أنه في آخر تصريحاته يقول أن تخليه عن مناطق محدودة في الضفة الغربية المحتلة عام 1967 ما هو إلا ثمن باهظ يدفعه بسبب توقه وحبه للسلام. لم يجد إيهود أولمرت من يسأله كيف يساهم ذلك الشخص في صنع السلام مع وجود مئات المستعمرات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة .
واستمرار ضخ المستوطنين اليهود الجدد إليها!. كيف له التبجح بالسلام مع استمرار عمليات الحفريات تحت الحرم القدسي الشريف وتهويد القدس القديمة والضواحي.
والاستمرار في بناء أبشع أنواع الأسوار فيما يعرف بالجدار العازل أو الفصل العنصري الذي يهدف إلى تقطيع ما تبقى من أراض للفلسطينيين هناك وتحويلها إلى كانتونات منعزلة عن بعضها يتحكم جيش الاحتلال بالدخول إليها والخروج منها؟!
. ما نوع السلام الذي يخبئه الإسرائيليون للمجتمع الفلسطيني حين يكونون مسؤولين عن وصول نسبة البطالة في سوق العمل الفلسطينية إلى مستويات غير مسبوقة في التاريخ القديم والحديث؟!.
دولياً، وعلى سبيل المثال، تحول مجلس الأمن الدولي إلى هيئة خاصة لرعاية المصالح والطموحات الإسرائيلية والتغاضي عن جرائمها ضد الشعب الفلسطيني. على الفلسطينيين خاصة والعرب عامة أن لا يعيدوا التفكير باللجوء إلى مجلس الأمن الدولي.
ولا حتى الأمم المتحدة، ذلك لأن كل القرارات الصادرة عنه هي في اتجاه واحد؛ هنالك سبحة من التجارب المريرة لدى العرب ناتجة عن استخدام حق النقض «الفيتو» ولعشرات السنين ضد أي قرار يلقي حتى بلائمة على الدولة العبرية أو ينتقد تصرفاتها في المنطقة.
قومياً وإقليمياً فالعوالم العربية والإسلامية والثالث والتي ينتمي إليهم الشعب الفلسطيني، بكل ما للكلمة من معنى وأبعاد، يمتهنون العجز والتخلف وفساد في الأنظمة السياسية والإدارية .
وعدم قابلية بعض تلك الأنظمة للإصلاح والتحرك في المكان والزمان المناسبين. ذلك يجعل ممارسة أي ضغط باتجاه يعاكس الأطماع والغطرسة الإسرائيلية من قبيل أضغاث الأحلام.
إضافة إلى كون تلك الأطماع تجد كافة التفهم والرضا والدعم من الديمقراطيات الغربية غير القابلة للتفاوض أو المساومة أو حتى النقاش فيها. يعزز ذلك الدعم والرضا الغربيين سمعة حماس المشوهة في المجتمع الغربي .
والتي لا تقل كثيراً عن سمعة حركة طالبان أو الحكومة الإيرانية والسودانية، أو حتى حكومة كوريا الشمالية!، التي يوجه الغرب كافة الجهود لمحاربة كل منها.
محلياً ترث حكومة يسود فيها فكر حماس هيئات ومؤسسات فلسطينية لم تتمكن من إيجاد آلية فعالة للحد من الفساد والمحسوبية المستشرية؛ يعمل الاحتلال الإسرائيلي على تقويض تلك المؤسسات بفرض الحصار المالي عليها، ولا يتوانى عن ضربها حتى عسكرياً إذا ما فشل الفساد في إنجاز مهمة تقويضها.
يؤدى ذلك إلى تردي الوضع المعيشي والاقتصادي والاجتماعي والمعنوي في المناطق الفلسطينية حيث أصبحت الجبهة الداخلية غاية في الضعف والتخلف والفوضى وبحاجة ماسة إلى أية مساعدات مادية من الخارج مهما تكن قسوة الشروط المرفقة بها.
يؤدي هذا الواقع المرير إلى القبول حتى بتعديل المقررات الدراسية في المدارس والموصوفة بالسلفية والتخلف، والإحلال محلها بمناهج تدعم حتى النظرية الإسرائيلية عن ما جرى في المحرقة النازية في الحرب العالمية الثانية؛ ذلك سيجلب تعاطفاً لقضية اليهود في أوروبا من حساب قضية فلسطين في العوالم العربية والإسلامية والثالث.
ما سبق، وغيره الكثير، يضع حماس الفتيّة أمام وضع لا تحسد عليه وتصبح بحاجة إلى حدوث سلسلة من المعجزات الإلهية في الشأن الحالي فإن أولى المعجزات التي تنتظر حماس الفتيّة للعمل على تحقيقها.
وبالدعاء فقط، هي إعادة مدينة القدس الشريف إلى الحالة التي كانت عليها عشية الرابع من يونيو 1967 قبل أن يغادرها الجنود الأردنيون الذين كانوا مكلفين في ذلك الوقت بالدفاع عن المدينة المقدسة بأسلحتهم المتواضعة.
يبقى هنالك حل آخر ربما يغني عن الحاجة إلى تلك المعجزات، في نظر الديمقراطيات الغربية على الأقل، ألا وهو تولي شخص معروف بالبراغماتية والليبرالية من مثل السيد أبو مازن قيادة حكومة مكونة من محافظين ومتعصبين، على غرار السيد جاك شيراك المحافظ في قيادته لليساريين أو العمالي السيد توني بلير في قيادته للمحافظين. تاريخياً وقصصياً.
وفي هذا السياق كذلك، ربما تكون الصورة أكثر واقعية إذا ما استحضرنا قصة من كتاب «كليلة ودمنة» الذي ترجمه ابن المقفع إلى العربية؛ فيها يقود أبو الحصين مجموعة من الأُسود المتضورة جوعاً لاصطياد وعل في غابة شائكة.
جامعة الإمارات