أقامت إسرائيل الدنيا ولم تقعدها، رداً على الانتخابات الفلسطينية. منذ صدور النتائج وقياداتها تطلق التصريحات النارية، على غير انقطاع، الطافحة بالتحريض والتهديد والوعيد.
ألوان الطيف السياسي الإسرائيلي كافة، من «الليكود» إلى «العمل» مروراً بـ «كاديما»، اشتركت في اوركسترا العزف على أوتار المقاطعة والتأليب ضد الوضع الناشئ.
نتانياهو يدعو إلى إبداء «الحزم» ـ ضمناً «المواجهة» ـ مع حركة «حماس»، بيريتس يصرخ: لا مفاوضات مع هذه الأخيرة، «لأنها تدعو إلى تدميرنا»، أولمرت يزمجر بأن إسرائيل «لن تتصل بالحركة»، موفاز يهدد بأن القيادة الجديدة لن تحظى بأية «حصانة»، متوعداً بأن «لا يجري التفاوض معهم طالما لم ينزعوا سلاحهم».
السفير الإسرائيلي لدى ألمانيا، شيمون شتاين، يطالب المستشارة الألمانية انجيلا مركل التي تزمع زيارة الأراضي المحتلة، بأن تعمل على «تذكير الرئيس عباس بوعوده حول نزع سلاح الجماعات الإرهابية».
والحكومة الإسرائيلية أطلقت حملة من أجل «تجنيد جبهة دولية لمقاطعة السلطة الفلسطينية ووقف المساعدات عنها لئلا تصل إلى حكومة تطمح إلى إبادة إسرائيل»، بالإضافة إلى ذلك تنشط القوى والفعاليات واللوبيات اليهودية.
خصوصاً في الساحتين الأوروبية والأميركية، لاستنفار وسائل الإعلام وحلفائها وزجّهم في حملة شعواء على الوضع الفلسطيني، تحت لافتة «الإرهاب» وافتعال جوّ من التهويل يفيد بأن الانقلاب الذي حصل ينطوي على أخطار تهدد إسرائيل! وكأن الدولة العبرية هي الواقعة تحت الاحتلال!
ويحصل هذا الاهتياج في وقت لم تمضِ معه سوى أيام قليلة على الانتخابات الفلسطينية، ولم يصدر عن الجهة التي فازت إلاّ كل ما يندرج في خانة الاعتدال وإبداء الرغبة في اعتماد نهج «الواقعية»، مع إعلان أحد قياديي حماس ان «أميركا ليست عدونا»، وغير ذلك من التعبيرات التي تنم عن ليونة ومرونة ينبغي الترحيب بها، أو على الأقل منحها الفرصة قبل الحكم عليها.
لكن إذا كان من غير المتوقع ان تبوح الردود الإسرائيلية وتنطق بغير هذه اللغة، المعروفة مقاصدها ومراميها، فإن المنتظر من البيت الفلسطيني ان يسارع إلى تجاوز الحسابات الانتخابية ليطلع من حالة ردّ الفعل ويبدأ عملية اللملمة لأوضاعه وإعادة صياغتها.
إسرائيل تغتنم فرصة التطور الانتخابي لتأجيج التناقضات والاستعداء ما أمكنها من القوى الدولية للوضع الفلسطيني تحت شتى المزاعم والذرائع. فهي لم تفرّق مرة بين هذا الطرف الفلسطيني أو ذاك.
وتعاملت مع الجميع على قدم المساواة الاحتلالية، والرد الناجع الوحيد، في ضوء التجربة المريرة والمكلفة، لا يكون سوى بالتعامل معها من موقع وحدة القرار والموقف.
والتي لا تجد مكاناً لها خارج صيغة الوحدة الوطنية، القائمة على التنوّع، فالتعددية ينبغي ان تكون مصدر إثراء لمواجهة الاحتلال وليس حالة تسمح لها بالاستفراد واللعب على الاختلافات في المقاربة والرؤية.
إسرائيل تعرف ما تريد. ثمة إجماع فيها على الحدّ الأدنى، على الساحة الفلسطينية ان تعرف أيضاً ماذا تريد وتعرف كيف تحقق الحد الأدنى من الإجماع حوله.