لاشك أن الفوز الساحق الذي حققته حركة المقاومة الإسلامية «حماس» في الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي جرت أخيراً، والذي أسفر عن إزاحة حركة فتح عن مقعد القيادة الذي احتلته لسنوات عديدة مضت.

ورسمت خلاله علامات فارقة في تاريخ ونضال الشعب الفلسطيني، يؤشر بشكل واضح ومن دون لبس، إلى انه لم يكن أكثر من عقاب ديمقراطي، لحركة فتح على عجزها في كبح مارد الفساد الذي تغلغل في كل مؤسسات السلطة التابعة للحركة، وجعلها عاجزة عن القيام بواجباتها تجاه شعبها.

لكن هذا العقاب الديمقراطي لم يكن موجهاً فقط ضد «فتح»، وإنما ضد الولايات المتحدة التي تركت الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبومازن)، من دون دعم وسند، وتجاهلت دورها المؤثر في عملية السلام.

وسمحت لإسرائيل بأن ترسم ملامح التسوية التي تريدها هي، وبصرف النظر عما إذا كان ذلك مجهضا لحقوق الشعب الفلسطيني ولقرارات الشرعية الدولية.

والواقع ان الكثير من الكتاب الغربيين يتفق مع فكرة العقاب الديمقراطي للولايات المتحدة، لكنه ينظر إلى الموضوع من زاوية مختلفة، وهى أن السياسة الأميركية بشكل عام في الشرق الأوسط هي المسؤولة عن هذه الحالة.

ومن بين هؤلاء الكتاب محرر الشؤون الدبلوماسية في صحيفة ال«تايمز» البريطانية ريتشارد بيستون الذي كتب مقالا بعنوان: «لمَ يجب على المنتصرين أن يشكروا المساعدة الأميركية» وقال فيه إن على «حماس أن تفكر بالرئيس جورج بوش ـ أو ربما تصلي من أجله ـ عندما تحلّل أسباب فوزها بالانتخابات.

فقد ساهم الرئيس الأميركي أكثر من أي شخص آخر في جعل الإسلام السياسي حقيقة في الشرق الأوسط». واعتبر أنه «بفضل الجهود الأميركية تشهد مجموعات كانت مهمّشة في السابق صعودا بارزا من نهر النيل إلى دجلة وما بعدهما.

فقد كانت الاستراتيجية المعتمدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، تهدف إلى تشجيع قيام حكومات علمانية معتدلة وموالية للغرب، غير أنها لاقت فشلاً ذريعاً أدى إلى نشوء نوع جديد من الديمقراطيات الإسلامية».

على أية حال، جرت الانتخابات وفازت «حماس»، ليثبت فوزها هذا انه لا تعارض على الإطلاق بين خيار المقاومة والممارسة السياسية، من اجل تحقيق الهدف الاسمى وهو تحرير الشعب الفلسطيني من الاحتلال البغيض. وهنا فإن الحديث عن إمكانية تعطل العملية السلمية بعد وصول «حماس» إلى السلطة، هو كلام في غير محله،.

وربما يكون متسرعا، لان «حماس» تمتلك بالتوازي مع حماستها الثورية المقاومة، فكرا براغماتياً سيكون بمثابة ضخ لدماء جديدة في عروق عملية السلام، ولكن على أسس مختلفة، أهمها أبعاد منطق النفس القصير في التفاوض والاستسلام للشروط التي يفرضها العدو الصهيوني.

لقد جرب الشعب الفلسطيني على مدى السنوات الأخيرة، وبالتحديد منذ اتفاق أوسلو في عام 1993، طريقة ونهج محدد من التفاوض مع إسرائيل، لكن هذا النهج لم يؤد إلى شيء.

حيث واصلت إسرائيل التوسع الاستيطاني في كل أراضي الضفة الغربية، واستمرت في سياسة تهويد القدس، ومارست كل أنواع البطش مع أبناء الشعب الفلسطيني كافة.

وغيرها من الأمور التي أثبتت أنها تعطي ظهرها لعملية التسوية،لاسيما في الخطوات الأحادية التي اتخذتها مثل الانسحاب من غزة.

لذا فلا مانع من أن نجرب نهجا مختلفا في التفاوض مع إسرائيل، فقد يكون أمراً مفيدا للشعب الفلسطيني، الذي يصطدم يوميا بأطروحات التطرف من كل الأحزاب السياسية الإسرائيلية، التي تقول في برامجها الانتخابية، انه لا عودة إلى حدود العام 1967، ولا لعودة اللاجئين الفلسطينيين، وان القدس ستظل موحدة إلى الأبد كعاصمة لإسرائيل.

إذن نحن أمام طرف متشدد يريد أن يأخذ كل شيء، ومن ثم فلابد وان يواجهه طرف متشدد مثله، عله يغير من أفكاره واتجاهاته التي لم يفلح في تعديلها من رفع غصن الزيتون والقى بالسلاح وسار في نفق المفاوضات المظلم، او بالأحرى الذي أظلمته إسرائيل بإصرارها على منع أي ضوء يدخلها.

وبشكل عام فإننا نأمل في أن تسهم نتائج العملية الانتخابية في ترتيب أوضاع البيت الفلسطيني وتعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية وبناء المؤسسات الفاعلة القادرة على تحقيق آمال وتطلعات الشعب الفلسطيني.

هذه هي الدعامة الأساسية للوصول إلى الحقوق المغتصبة والتي يريد الاحتلال أن يسقطها بالتقادم والتشدد والتطرف، مستغلا اختلال موازين القوى ونفاق العديد من الأطراف الدولية المؤثرة.