في كتاب ( المجنون ) لمؤلفه جبران خليل جبران وردت قصة غاية في الدلالة، طافحة بالمعاني الكثيفة، وثراء العبر التي تكتنفها، مفادها أن رجلاً مر بأحد الحقول، فوجد خيال المآتة ( مجسم خشبي يرتدي ملابس على هيئة إنسان لافزاع الطيور ) .

وقد توسط الحقل كعادته، سأله الرجل: ألم تمل من هذه الوقفة وأنت تبدو مثل المصلوب طوال اليوم ؟ فرد خيال المآتة: بالطبع لا، لأني أشعر بلذة كبيرة في تخويف الطيور واللصوص كي لا يعتدون على محاصيل الحقل. فرد الإنسان :

أنت محق، أنا أحس بمتعة كبيرة عندما أجد من يتهيبني، فقال خيال المآتة: لكن متعتي اكبر وإحساسي بالحبور لا حدود له لأنني أزرع الخوف وأنا محشو بالقش.

ما قادني إلى تذكر هذه الحكاية هو علاقة الولايات المتحدة بالخوف والتخويف، فمن منا يستطيع أن ينكر الدور المتعاظم الذي تقوم به أميركا في تخويف العالم، وبث الرعب في قلب كل من يخرج عن طاعتها، ومع ذلك من يصدق ان هذا الكيان المتخم بالغطرسة والصلف وغرور القوة أخذ نصيبه من الخوف قدر نصيب ضحاياه..

حتى اكتشفنا ان البطون الحديدية والقلوب الصلبة التي يتفاخر بها الأميركيون أصبح بها مكان يئن من كثرة القش المختبئ وراء العزة بالأثم.

فالمتابع للحماقات التي ترتكبها السياسة الأميركية يدرك مدى الذعر والتخبط الذي تعيشه الادارة الأميركية، والحجج التي تقدمها جراء قصف الأعراس في أفغانستان وقتل المدنيين في باكستان والعراق.

فضلا عن ضحايا الجهاز الأمني لطائراتها المدنية تكشف عن ان هذه العظمة العسكرية التي تتباهى بدقة صواريخها وذكاء أجهزتها الاستخباراتية متورطة بشكل سافر في ثقافة (خيال المآتة).

اضافة إلى ان القوة المستبدة التي تصم ممارساتها هي نفسها التي صنعت (غضبة الحرافيش) في معظم أزقة العالم، وجعلت رائحة القش تفوح من تقارير البيت الأبيض بدلاً من رائحة الأحبار التي كانت تسطر سيناريوهات الرعب، فأصبحت تتحدث عن مشاريع تحسين الصورة، والهلع الذي لا تأمن مكمنه.

ثمة تخوفات تسيل من رخاوة القلب الأميركي وأكذوبة متانته: فإدارة بوش بكل جبروتها وقوتها التعسفية ترتعد خوفا من صعود التيار اليساري في أميركا اللاتينية رغم تغول الرأسمالية وعزف الربابة المنفرد لعولمتها.

بل ان حركة مثل حماس باتت تقض مضجع الولايات المتحدة لمجرد فوزها في الانتخابات الفلسطينية رغم دعوتها المزيفة للإصلاح الديمقراطي في الشرق الأوسط.

يصعب القول ان كل هذه الهواجس الأميركية مجرد تخوفات سياسية آنية لأن محصلة الإفراط في استخدام القوة جعلت الأميركيين يشعرون أن العالم كله مجرد قلامة ظفر يستحيل معها خدش الوجه الاميركي.

وأن المستقبل حجز لنفسه جناحا مكيفا في فندق البيت الأبيض، الأمر الذي كذبه الواقع والوقائع، حتى أحد الصحافيين الاستراليين قال: ان الرئيس بوش سوف يصبح مثل القط المحاصر بالنيران فيعض كل من يقترب منه ولو كان صاحبه.

ما صرح به الكاتب الصحافي فريد زكريا رئيس تحرير مجلة «نيوزويك الأميركية» يؤكد ما قلناه سابقا بأن سحر التخويف انقلب بالفعل على ساحره، حين قال في مقابلة له : للأسف يجب تخويف الأميركيين كي يهتموا بالخارج. هذه الدعوة التي جاءت على لسان شاهد من أهلها تنطوي في معناها على إعلان مضمر بوقوع الخوف.

. وتكشف لنا عن مدى السذاجة التي يعيشها الفوبيون العرب الذين يجلسون القرفصاء أمام الدعاية الأميركية.. هؤلاء الذين يعتقدون أن خيال المآتة لا يمكن أن تكون عيونه زرقاء وبشرته بيضاء.