يمثل رأس المال والتكنولوجيا الوجه الاقتصادي للعولمة بينما تمثل الكونية وجه العولمة السياسي والثقافي، غير أن مفهوم الكونية في عصر العولمة لا يحيل إلى معان مثل وحدة الجنس البشري والمصير الإنساني ووحدة المجتمع الإنساني، بل تعني خلق مجتمع المعلومات الكوني عن طريق خلق وعي من نوع جديد على أن تكون مفاهيم وتصورات وقيم هذا الوعي وأدوات تشكيله هي ذاتها قيم ومفاهيم وتصورات الثقافة الغربية.

لقد سبق للثقافة الغربية أن تبنت المفهوم الكوني انطلاقاً من المبادئ التي أبدعتها في عصر الحداثة مثل عقلنة العالم، وحدة الماهية البشرية والتقدم وعلى ضوء تلك المفاهيم جرى تقييم ثقافات الآخرين على أساس قربها أو بعدها من تلك المفاهيم التي اعتبرتها الثقافة الغربية معايير كونية، وتأسيساً على ذلك انطلقت أوروبا تؤنسن العالم المتخلف الهمجي الاستبدادي في نظرها.

أما التعددية التي تتبناها العولمة فينصرف مفهومها إلى نوعين من التعددية هما التعددية السياسية والتعددية الثقافية ولكن التعددية السياسية.

وإن بدت بارزة في مقدمة المبادئ المرفوعة في عصر العولمة، إلا انه يمكن التعامل معها بطريقة انتقائية حسب ما تقتضيه مصالح الغرب فمبادئ ومفاهيم العولمة والكونية يختص بتفسيرها وتطبيقها صناع العولمة أنفسهم وليس لأحد أن يزايد عليهم ويتمسك بتطبيق هذه المبادئ بقصد الإضرار بمصالحهم.

ففي هذه الحالة من الأفضل الإبقاء على أنظمة ديكتاتورية ضعيفة، فذلك أكثر عقلانية من أن تصبح الديمقراطية لعبة تحمل إلى السلطة في هذه البلدان الهمج والمتطرفين أعداء الغرب منارة العالم ومركز الكون!

لعل التعددية التي تحوز على الاهتمام والحرص من قبل الغرب والولايات المتحدة في هذا الوقت، هي التعددية الثقافية التي تعني الطوائف الدينية والمذاهب والأعراق، لأن هذا النوع من التعددية يمكن تسييسه باعتباره يحمل أفكاراً وإمكانيات تصلح لأن تكون مشاريع لدول جديدة كما أنها تفتح الطريق أمام قوى الغرب للتدخل ولتدويل القضايا الداخلية سواء لأجل أن تكون أوراق ضغط وابتزاز.

أو لتكون حجة لتفكيك أية دولة ترى قوى الغرب أن استمرارية تماسكها وتطورها قد يجعل منها قوة مستقبلية ومركز جذب للمتمردين على النظام الدولي الغربي. فتشجيع هذا النوع من التعددية بالنسبة للغرب يؤدي إلى ظهور نوع من الدول القزمية ذات الأفق المستقبلي المسدود: أي أنها من ناحية تقوم على أساس اثني أو طائفي.

وبالتالي يصبح اندماجها مع غيرها في حكم المستحيل، ومن ناحية أخرى لا تشكل في الغالب قوة بشرية أو اقتصادية ترشحها لتتبوأ مكانة دولية تزعج المركز الغربي أو تحدث تعديلا في مجرى العلاقات الدولية.

كما أنها لا تمثل ثقافة كبرى ذات ارث حضاري عريق يجعلها تختلف وتجادل ثقافة الغرب المهيمنة، بل على العكس من ذلك، فان هذه الجماعات ستشعر بأنها مدينة لقيم ومبادئ الثقافة الغربية صاحبة الفضل في بروزها على المسرح السياسي وظهور خصوصيتها فمثل هذه الدول الميكروسكوبية تمثل الفضاء المثالي لثقافة الغرب في عصر العولمة.

إن قوى الغرب التي ترفع شعار هذا النوع من التعددية في عصر العولمة، تدرك ان حدود دول الجنوب لا تمثل حقائق اجتماعية أو تاريخية، بل تم رسمها حسب تقسيم المصالح الاستعمارية آنذاك وبالتالي فان هذه الدول لا تخلو من طوائف وأعراق لا تزال في حاجة إلى فسحة زمنية حتى تنصهر في بوتقة الدولة الوطنية والمجتمع المدني.

ولهذا فإن الغرب يسارع في عصر العولمة لقطع الطريق أمام هذا الاحتمال فيرفع شعار الدفاع عن التعددية الثقافية وذلك ليفتح الطريق أمام احتمالات تفسخ وتذرر الدول وتناسلها.

ليس هناك من شك في أن العرب هم إحدى أهم الجماعات المستهدفة بالتعددية الثقافية المسيسة سواء على الصعيد الوطني القطري أو على الصعيد القومي، فهم يعتبرون من اكبر الجماعات التاريخية التي لم تتوصل حتى الآن إلى المطابقة بين كيانها السياسي.

وكيانها الثقافي الأمر الذي يقوي من احتمال بروزهم على المسرح السياسي العالمي كقوة كبرى تزاحم الغرب في حالة توافر شروط معينة كما أنهم ينتمون لواحدة من اكبر الحضارات التي تمثل بالنسبة للغرب ما لا تمثله أية حضارة أخرى.

فهي خصم تاريخي لدود لم يجر بين حضارة الغرب وأية حضارة أخرى من الصراع والجدل والمواجهات مثل ما جرى بينها وبين الحضارة العربية الإسلامية.

ومما يزيد من استعداء الغرب ضد العرب هو كون هؤلاء ليسوا كياناً ثقافياً خامداً مسترخياً، بل ظل مضطرباً منذ الحرب العالمية الأولى بتفاعلات اجتماعية وتيارات سياسية تعتنق ايديولوجيا الوحدة سواء من منطلق القومية العربية .

أو من المنطلق الإسلامي حتى ان القومية العربية والوحدة العربية أضحتا من أكثر المصطلحات مقتا في قاموس الغرب السياسي منذ الخمسينات إلى سبعينات القرن العشرين مثل ما أضحى الإسلام السياسي في القرن الواحد والعشرين.

كاتب ليبي ـ جامعة بنغازي