الدرجة العالية من البراغماتية التي أطلت بنفسها عبر المواقف المعلنة للقيادات المسؤولة في حركة حماس منذ فترة ليست بالقصيرة، لعبت دوراً مهماً في تمرير استحقاق العملية الانتخابية الديمقراطية لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، بسلاسة كاملة دون التواءات أو اهتزازات.
خصوصاً مع تواتر الأصوات الأميركية والإسرائيلية التي بدأت تضج وتصرخ من العقلانية العالية التي دفعت بحركة حماس نحو المشاركة في العملية الديمقراطية الانتخابية.
فالنتائج التي أفرزتها العملية الانتخابية الديمقراطية لاختيار أعضاء المجلس التشريعي، والتي جرت في فلسطين، كانت في وقعها أشبه بالصاعقة التي هبطت فوق رؤوس المتابعين للشأن الداخلي الفلسطيني.
والمتابعين لحال خارطة القوى السياسية الفلسطينية وأوضاعها الذاتية. فقد كانت النتائج، حادة في انزياحها لصالح قائمة حركة حماس المسماة بقائمة التغيير والإصلاح، ولصالح مرشحيها الذي فازوا في ظل النظام الانتخابي المعتمد (50% قوائم، 50% دوائر).
فقد حصدت حركة حماس 76 مقعداً، بينما تراجع حزب السلطة الفلسطينية. والمقصود حركة فتح، إلى الموقع الثاني للمرة الأولى في التاريخ المعاصر لحركة المقاومة الفلسطينية بفارق كبير نسبياً.
فقد حصلت حركة فتح على 43 مقعداً فقط من أصل 132 مقعد، وباتت جميع القوى الفلسطينية من التلاوين كافة، القومية واليسارية في خانة «القوى ذات الوزن الخفيف»، وتالياً لم تستطع أن تحصد سوى 13 مقعد، وبعضها لم يتعد نسبة الحسم المقررة.
إن الانتخابات بنتائجها المترتبة عليها، فاقمت من استفحال ظاهرة الاستقطاب السياسي والبرنامجي والتنظيمي في الساحة الفلسطينية بين الكتلتين السياسيتين الأكبر في ساحة العمل الفلسطيني ممثلتين بحركتي فتح وحماس مع ضياع قوى القطب الثالث الممثلة للتيارين القومي والديمقراطي اليساري.
بعد عجزها وفشلها في التوصل إلى قائمة موحدة نظراً لاعتبارات مختلفة يقف على رأسها التراكم السلبي من العلاقات المتردية تاريخياً بين مكونات وأطراف هذا التيار.
وطغيان منطق «النرجسية الذاتية» والأنانية التنظيمية بين أطرافه بعيداً عن الخلاف البرنامجي الذي تتلحف به البعض من القوى اليسارية، كالخلاف والتباين حول أعداد المرشحين وترتيبهم من كل طرف. وعلى هذا الأساس جاء تشتت قوائمها على قوس يمتد إلى نحو تسعة قوائم، وجاءت نتائجها المتواضعة عبر صندوق الاقتراع.
ومن المؤكد بأن الفوز الكاسح لحركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، وضعها أمام مرحلة صعبة لا تحسد عليها، وأمام جملة من الاستحقاقات التي تنتظرها مع إمكانية تشكيلها للحكومة الفلسطينية الجديدة.
وكما يقولون في المثل الشعبي الفلسطيني « أول الرقص حنجلة » فالفوز الانتخابي له استحقاقاته، ولن يكون هذا الاستحقاق دون ثمن قبول، وأول الأثمان المطروحة يتمثل في ضرورة إحلال منطق المشاركة السياسية والبرنامجية الواسعة على أساس توسيع مساحة التقاطع المشترك.
مع الأخذ يعين الاعتبار جملة الوقائع التي أفرزتها السنوات الماضية من عمر السلطة الفلسطينية والتزاماتها الدولية المترتبة عليها، وإلا فإن سيف المقاطعة الدولية سيغلق الفضاء المفتوح أمام الحركة السياسية والدبلوماسية الفلسطينية الرسمية.
وفي هذا الإطار، يترتب على حركة حماس باعتبارها أضحت في الموقع المسؤول، التوجه المتسارع في سياق سعيها للدخول إلى البيت الفلسطيني الائتلافي من أوسع أبوابه، عبر القبول بمبدأ «التشاركية» .
والتحالف تحت سقف القواسم المشترك بعيداً عن نزعة الاحتواء، استناداً إلى المحاصصة المشروعة التي تمت عبر صندوق الاقتراع في الانتخابات البرلمانية في سياق إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية كإطار جبهوي موحد يضم كل أطياف الحركة الوطنية بما في ذلك قوى التيار الإسلامي الفلسطيني ( حركتي حماس والجهاد) التي أصبحت قاب قوسين من الدخول إلى عضوية منظمة التحرير.
إضافة إلى التقدم ببرنامج سياسي مسؤول بعيداً عن التهور أو التطرف، ويتكيف مع المعطيات القائمة، مازجاً بين السياسي والأيديولوجي وفقاً لطبيعة كل مرحلة.
كما في التوجه المتسارع لتوسيع دائرة علاقاتها العربية والدولية، ومواصلة محاولتها المشروعة للبدء في حوار شامل مع الإدارة الأميركية، والغرب بشكل عام، انطلاقاً من تطور مواقفها في التعاطي السياسي مع مراكز القرار المؤثرة في العالم.
ومحاولتها «مسح» الادعاءات الغربية التي وسمت سياسة وممارسات حركة حماس باعتبارها تنظيماً «إرهابيا »، فحركة حماس ليست «طالبان» وقضية فلسطين ليست «أفغانستان».
كاتب فلسطيني