حالة سوريا في أزمتها مع المجتمع الدولي وفي علاقتها بلبنان، هناك قرار مجلس الأمن رقم 1559 وقد صدر مؤخراً بيان رئاسي من مجلس الأمن يحمل رسالة قوية لدمشق، ويذكّر بأنه لا تهاون في تنفيذه سواء في ما يتعلق بنزع سلاح الميليشيات أو ترسيم الحدود تمهيداً لحل «شبعا» أو التعاون الكامل مع لجنة التحقيق الدولية لجلاء الحقيقة في مقتل الرئيس الحريري ورفاقه.

وانطلاقاً من مفهوم «انصر أخاك العربي» حاولت دول عربية مساندة سوريا عبر وساطات و«حلول» عربية، في تجاوز «للحل» الدولي وتم رفضها من قبل اللبنانيين والمجتمع الدولي لأنها تؤدي إلى «تمييع» القضايا و«تعويم» الحقيقة، والتستر على الجناة.

وقد نتفهم مسارعة «نجاد» لسوريا في لقاء «دعم» و«تحدٍّ» فالمأزوم يبحث عن مأزوم مثله ليواسيه، ولكن ما لا نفهمه، مسارعة «الأمانة العامة» لاتحاد المحامين العرب لعقد مؤتمر تحت شعار «مساندة سوريا واجب قومي» لدعم سوريا.

في تجاهل تام للجريمة النكراء التي أودت بحياة الرئيس الحريري، وجرائم الإرهاب التي طالت قيادات لبنانية، كما ورد في بيان نقابة محامي بيروت التي قاطعت المؤتمر.

أن يجتمع «المحامون العرب» في مؤتمر حاشد ليستمعوا إلى خطاب «حماسي» للرئيس الأسد، يقول فيه «إن سيادتنا فوق مجلس الأمن» وإن تعاوننا مع التحقيق له حدود، فيقابل بالتصفيق والهتاف، ويقف أحدهم ليصف الأسد بأنه جمال عبدالناصر هذا القرن. وفي حركة إعلامية يقوم «عاشور» رئيس الاتحاد وقد احتقن وجهه ويضرب بقبضته المنصة قائلاً:

«حتى لو وافق الزعماء العرب على لقاء الأسد مع لجنة التحقيق فإن المحامين لن يسمحوا له بذلك وسيمنعوه بالقوة، لأن كرامتهم من كرامته» فيصفق المؤتمرون هاتفين. وينتفض «عاشور» مستهجناً محاكمة صدام! داعياً العرب لقطع علاقاتهم ببغداد المحتلة! وبالمسارعة بتملك السلاح النووي!

ولا يزال بعض المحامين العرب يعيشون عقلية وشعارات الخمسينات والستينات، وهم في بُعد عن المتغيرات، ولا نذهب بعيداً فتاريخ هؤلاء منذ ابتلينا بحكم النظم الثورية التقدمية، تاريخ مشين، إذ كانوا سنداً للنظم الثورية المستبدة، وحالياً هم أكبر المدافعين عن صدام.

ولعلنا لم ننس بعد جناية «ترزية» القوانين، إبان الستينات، فقد شرعوا للاستبداد وقنَّنوا للعنف، ولهذا فإن مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو محق في انتقاده لهم حين بيّن تناقضهم وتهافتهم، فهم بدلاً من أن يدافعوا عن المضطهدين والمظلومين وحقوق الإنسان والشهداء الذين سقطوا في لبنان بيد الغدر والخيانة، سارعوا للوقوف مع الأنظمة.

وإذا كان هؤلاء قد تنكروا لمواثيق حقوق الإنسان وهانت عليهم الانتهاكات، فماذا نقول عن الأنظمة والحكومات؟! لم يتكلم أحد من هؤلاء الأشاوس عن سجل حقوق الإنسان العربي! لم يتحدث أحد منهم عن العنف والتمييز.

لماذا يعلو صياحهم في الفضائيات ضد أميركا بسبب ما حصل في «أبوغريب» وتخرس ألسنتهم عن التعذيب المستمر في سجون «العروبة» السعيدة؟!

لماذا نجد رجال القانون في الدول المتقدمة بالمرصاد لحكوماتهم دفاعاً عن الحريات والحقوق بينما رجال القانون ـ عندنا ـ في خدمة الأنظمة التسلطية؟! إنها ثقافة «الطغيان» وقد أصدر مركز دراسات الوحدة العربية كتاباً فذاً اسمه الاستبداد في نظم الحكم العربية المعاصرة، فيه تحليل دقيق لجذور الاستبداد العربي.

وقرأت في الفصل السابع مقالة رائعة للأستاذ محمد هلال الخليفي بعنوان «قراءة تاريخية في مفهوم الاستبداد وتفسيره وآليات تكريسه» يشرح فيها الباحث كيف تم تسويغ الاستبداد عبر 15 قرناً، دينياً وأمنياً وثقافياً.

إذا كان هذا وعي وإدراك بعض النخبة، فهل نلوم الجماهير إذا سارت وراء أي مستبد هاتفة بالروح وبالدم؟!

إنها ثقافة حكم، تأسست في الأرض العربية منذ بدايات «الملك العضوض» واستمر وترسخ عبر آليات ومؤسسات ومفاهيم إلى يومنا، فأصبح «حكم الفرد» أمراً طبيعياً مقبولاً في النفسية والعقلية العربية، فإذا عدل الحاكم فأجره على الله وإذا ظلم فعلينا الصبر والدعاء له بالصلاح.

لم يكن «الاستبداد» يمثل «نقيصة» أو «مشكلة» في التاريخ العربي، وإنما المشكلة هي «العصيان» و«التمرد» والخروج على الطاعة.

أفراد هذه النخب كان الأولى بهم أن يكونوا صادقين مع أنفسهم مدافعين حقاً عن حقوق الشعوب، فتلك رسالتهم بدلاً من تلك التصرفات التي أضحكت العالم وجعلتهم أمثلة للتندُّر.

كاتب قطري