حاجتان ملحتان تفرضهما اللحظة الراهنة، على مستوى تعامل القوى والأطراف الفلسطينية مع بعضها البعض: الاعتدال في الخطاب والحرص على انتقال سلس للسلطة. فالمرحلة انتقالية، شديدة الحساسية وسريعة الالتهاب.

مسارها مفخخ وطريقه مفروشة بجليد يهدد بالزحلقة والانزلاق.. فالوقوع. يزيد من الخطر أن الساحة لديها مخزون كبير من الاحتقان. الانقلاب الذي جاءت به الانتخابات بات معه العبور من وضع إلى آخر، بكل تركيبته ومعادلاته، مسألة تحصيل حاصل، لا فكاك منها.

وعليه فإن المصلحة الفلسطينية العامة تقضي بأن تحصل العملية بأعلى قدر ممكن من الانضباط والانسياب أو على الأقل أن تحصل بالحد الأدنى والمقبول من المناخات الإيجابية التي تكفل مرور التسلم والتسليم، على خير.

فعند ذاك يتكلل المكسب الانتخابي الأخير بإنجاز آخر، يصب في تعزيز الوحدة الوطنية؛ في إطارها العريض.

الأيام القليلة الماضية، التي توالت بعد إعلان النتائج، حملت مؤشرات مختلطة. منها ما يبشر بانحسار ولو تدريجي للتوتر والأجواء المشحونة. ومنها ما يحمل على الحذر؛ إذا لم يكن على الخشية. فمن جهة علت لغة «الواقعية» والتطمين؛ مع الابتعاد عن لغة الاستفزاز.

كلام موجه إلى الخارج. وبعضه تصوب نحو الداخل، في محاولة لمد الجسور معه. أو هكذا بدا لكن في المقابل حصلت ردود فعل صاخبة اتسمت بالعنف؛ ولو أنها كانت محدودة وجرى تطويقها بسرعة. كل ذلك مفهوم.

فالفائز يلجأ عادة إلى إبداء الليونة. والخاسر تتحكم فيه الصدمة وتعبيراتها. المحك يكون عند التئام المجلس النيابي الجديد والمباشرة بتأليف الحكومة العتيدة.

هناك يكون الاختبار لمدى مرونة الساحة الفلسطينية، بتلاوينها ومشاربها السياسية كافة.

والمرونة لا ينبغي أن تعني التطابق. ولا حتى التحالف؛ ولو أنه مرغوب ومطلوب. المعطيات القائمة قد لا تسمح به. لكن إذا تعذر المنشود الآن؛ فمن الضروري والحيوي ألا يحضر المرفوض.

حركة فتح تعيش لحظة نقد ومراجعة. وهذا من حقها. بل واجبها. حركة حماس تعيش نشوة الفوز. وهذا أيضاً من حقها. إلا أن هذه الحالات ليست بالضرورة متصادمة.

في أقلّه لأن الطرفين يواجهان الاحتلال نفسه. فإذا كانت الانتخابات قد فرّقت؛ إلا أن ما يجمع أقوى وأهم. ولا بد أن يكون كذلك. جرّافة الاستيطان لا تميز بين فلسطيني وآخر، ولا خط الجدار، ولا بالتأكيد ما يقوم به جيش الاحتلال من قهر للبشر وتدمير للحجر والشجر.

المشهد الفلسطيني الآن في حالة ارتباك. ما زال تحت تأثير ما أفرزته الصناديق. وهو في أحسن أحواله ضبابي. الرؤوس ما زالت إما حامية وإما مندهشة.

وقد يكون لذلك ما يفسره بل له ما يبرره. شرط أن يبقى تحت سقف المقبول ويتم تجاوزه بالسرعة التي تقتضيها دقة وحراجة الظروف. فالانتقال إلى الفصل الجديد يجب أن يحصل بما يليق بالشفافية التي حكمت الانتخابات الأخيرة ولا يصح أو يجوز أن يكون الأمر دون ذلك.