كأن الشعب الفلسطيني لا هاجس له سوى ممارسة العنف المسلح إلى الأبد حتى لو حصل على تسوية سلمية عادلة تستجيب لكل حقوقه المصيرية.

هذه هي الصورة الزائفة التي يحاول قادة الغرب تسويقها عالمياً من خلال تعليقاتهم وتفسيراتهم بشأن حصول حركة «حماس» على غالبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني.

كان رد فعل فورياً تطابقت من خلاله الصيغة اللفظية للتعليقات والتفسيرات من كل العواصم الغربية وكأنها صادرة عن رجل واحد، ومن ثم تطابق رد الفعل الأوروبي والأميركي مع رد الفعل الإسرائيلي وكأن دول الغرب وإسرائيل أسرة واحدة متضامنة ضد الشعب الفلسطيني.

توني بلير البريطاني يدعو «حماس» إلى التخلي عن العنف والاعتراف بإسرائيل. وبينما يعرب وصيفه الفرنسي دو فيلبان عن قلقه فإنه يؤكد على «ضرورة نبذ العنف». ومن روما يعرب رفيقهما الإيطالي برلسكوني عن أسفه لأن «غالبية الشعب الفلسطيني تؤمن بهذه المنظمة المتطرفة».

وهكذا تتكرر النغمة نفسها: مطالبة حماس بالتخلي عن العنف والاعتراف بإسرائيل. ويتوسع وزير خارجية الدنمارك في شرح هذه المطالبة قائلاً «إنه إذا كانت حماس ستشكل حكومة فإن عليها أن تلتزم حلاً سلمياً ينطلق من مفاوضات وليس حلاً عسكرياً أو إرهابياً».

أما «الأخ الأكبر» في واشنطن فإنه يضيف إلى القول فعلاً فور أن بلغته أخبار انتصار «حماس» دعا جورج بوش إلى مؤتمر صحافي في البيت الأبيض أعلن فيه أن الولايات المتحدة لا تدعم حزباً سياسياً «يريد تدمير حليفتنا إسرائيل».

وبعد ذلك تحدث هاتفياً إلى رئيس السلطة الفلسطينية وزعيم «فتح» محمود عباس وعبر له عن «استمرار وقوف الولايات المتحدة» وراءه بعد هزيمة حركة فتح أمام حماس وكأن حماس عدو مشترك. وهكذا ستتواصل النغمة: الاعتراف بوجود إسرائيل ونبذ العنف ضد إسرائيل.

القضية المحورية المطروحة إذن من وجهة نظر الغرب ليست الصراع العربي ـ الإسرائيلي والاحتلال والحق المصيري للشعب الفلسطيني وإنما هي مستقبل الدولة اليهودية حصراً وضمان أمنها وتفوقها وهيمنتها.

وفي هذا السياق يطرأ تساؤل: مقابل ماذا تتخلى حماس والفصائل الأخرى عن المقاومة المسلحة وتعترف بحق إسرائيل في الوجود والبقاء؟

هنا يبدو أن قادة الغرب والقادة الإسرائيليين يريدون للتاريخ أن يعيد نفسه، فقد كان في المقدمات التي سبقت ولوج منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة عرفات طريق الهلاك المؤدي إلى «أوسلو» إصرار الولايات المتحدة على أن تعترف المنظمة مقدماً بحق إسرائيل في الوجود.

وما إن استجابت المنظمة حتى طرح عليها طلب ثان وهو «نبذ الإرهاب»، أي إلغاء بند الكفاح المسلح من ميثاق المنظمة. وقد كان، لكن الشعب الفلسطيني لم يحصد في المقابل سوى الريح.

والآن يبقى سؤال تاريخي يتعين على الرئيس محمود عباس زعيم فتح، الفصيل الرئيس لمنظمة التحرير أن يجيب عنه بوضوح: إذا كان من المفهوم أن ترفض الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الغرب التعامل مع أي حكومة تشكلها حماس أو تشارك فيها فكيف نفهم رفض قادة فتح المشاركة مع حماس في تشكيل حكومي إلا إذا كانت فتح تريد أن تكون في خندق واحد مع الأعداء؟