تمر العلاقات السعودية الهندية بتغييرات استراتيجية تدفع نحو مزيد من التقارب. فقد كشفت زيارة الملك عبد الله للهند والتي بدأت في 24 يناير بأن هناك رغبة جادة للطرفين للانتقال بالعلاقات لآفاق أوسع.

ويشير عدد من المحللين السياسيين إلى أن بوادر تحسن العلاقات السعودية ـ الهندية تعود إلى سنوات عدة، حينما بدأت نيودلهي اتصالات هادئة مع الرياض أدت لحدوث انفراج بعد لقاء وزيري الخارجية السعودي والهندي في عام 2000.

ولذا جاءت زيارة الملك عبد الله للهند وهي الزيارة الثانية بعد خمسين عاماً لزيارة الملك سعود للهند في عام 1955، لتمثل نقطة تحول مهمة في علاقات شهدت بعض الجمود تاريخيا.

ويتوقع لها مستقبل واعد في ظل سياسة خارجية واقعية يعمل على أساسها الملك عبد الله في علاقات المملكة الدولية، خاصة في المحيط الآسيوي بعد زيارته للصين في الفترة بين 22 و24 من شهر يناير الجاري.

وقد يكون من المناسب التذكير في هذه المقالة، بأنه تاريخياً اكتنفت العلاقات السعودية ـ الهندية حالة من التذبذب والشكوك المتبادلة، إذ شاب العلاقة بين البلدين بعض التوتر والاضطراب، لكون الهند كانت تنظر إلى المملكة كحليف مؤيد لباكستان، بسبب التوافق في التوجهات الإسلامية بين البلدين، ليمثل ذلك أحد عوائق تحسن العلاقات السعودية الهندية.

كما اتسمت العلاقة التاريخية بين الطرفين بقدر من الحساسية المفرطة لدى الجانب الهندي تجاه السعودية، ويرجع ذلك بدرجة أساسية إلى نظرة بعض النخبة السياسية الهندية لدور الإسلام في تقسيم شبه القارة الهندية.

وعلى هذا النحو كان الإسلام في الهند هاجساً ومصدر توتر في علاقاتها مع السعودية، عوضاً على أن يكون جسراً للتعاون والتقارب، خاصة وأن الهند تضم أكبر ثاني تجمع بشري إسلامي في العالم بعد اندونيسيا، فيقدر عدد مسلمي الهند بحوالي 150 مليوناً.

ولكن مجمل التوتر في العلاقات السعودية ـ الهندية، تاريخياً كان حصيلة لظروف الحرب الباردة، والعلاقات الهندية ـ الباكستانية المتوترة أحياناً، ورغم ذلك لم تصل حالة الفتور في العلاقات السعودية ـ الهندية إلى حد القطيعة، وإن شابها تاريخياً الشك وسوء الفهم.

اللمحة التاريخية السابقة تساعدنا على فهم أسباب الجفاء ومواطن البرود في العلاقات السعودية ـ الهندية، ولكنها يجب ألا تدفعنا إلى رسم مستقبل قاتم لتلك العلاقات.

فالمنظور الواقعي لتقييم مستقبل العلاقات يتطلب تحليلها في إطار التحولات السياسية والاستراتيجية الدولية والإقليمية والثنائية، بالإضافة إلى المحددات الاقتصادية المتصلة بالنفط بدرجة أساسية، وذلك انطلاقاً من اعتبارات العقلانية السياسية والمصالح المتوقعة دون التعويل على الإرث التاريخي.

لقد عملت الهند على إعادة هيكلة سياستها الخارجية منذ التسعينات، فدولياً فقدت الهند بانتهاء الحرب الباردة أهم حليف لها وهو الاتحاد السوفييتي، فقامت بإعادة صياغة علاقاتها الدولية على أسس براغماتية بعيداً عن المنهج الايديولوجي.

فسعت الهند للتقارب مع الولايات المتحدة، مع محاولة المحافظة على أواصر علاقاتها مع روسيا الاتحادية، خاصة بعد زيارة الرئيس يلتسين للهند في عام 1993.

أما إقليمياً فقد تزايدت ثقة الهند في ذاتها في مواجهة الصين وباكستان، فعسكرياً أضحت الهند تمتلك قدرات نووية مهمة على المسرحين الدولي والآسيوي بعد تفجيراتها النووية في عام 1998.

والمهم في هذا السياق هو شعورها بتفوقها العسكري في مقابل جارتها باكستان، وانعكاسه إيجابياً على إعادة تقييم أهمية العلاقة مع المملكة.

ولذا على المستوى الثنائي، وفي إطار العلاقات السعودية ـ الهندية لم تعد الهند تنظر إلى طبيعة العلاقات السعودية ـ الباكستانية كعائق في علاقاتها مع المملكة.

كما أن الهند وبخلاف العقود الخمسة الماضية لم تعد تكيف علاقاتها بالسعودية من منظور العلاقات الهندية ـ الباكستانية، وذلك كله بسبب التفوق النوعي والكمي للقدرات النووية الهندية على جارتها باكستان، حتى بعد امتلاك الأخيرة السلاح النووي.

ولقد ساعد على هذا التحول الإيجابي في النظرة إلى السعودية أيضاً تحرر الهند من الحساسية المفرطة في تضخيم الهاجس الإسلامي وتأثيره على علاقاتها تجاه المملكة، وهو الأمر الذي كان ملازماً لنظرتها للسعودية منذ حصول الهند على استقلالها.

أما على المستوى الاقتصادي، فبالنسبة للهند هناك أهمية استراتيجية لضمان تدفق النفط. فالنفط يمثل سلعة حيوية تغطي 40% من احتياجاتها من الطاقة، خاصة.

وأنه في ضوء استمرار النمو الاقتصادي للهند بمعدلاته نفسها (حوالي 6%) فإن الطلب الهندي على النفط سيتضاعف في غضون أقل من عشر سنوات. وتشير التقديرات إلى أن الهند ستكون من أكبر الدول المستوردة للنفط.

وأهمية السعودية للهند في هذا الصدد تكمن في أن الهند غير قادرة على توفير الاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، ولن تستطيع ذلك في المستقبل المنظور، وذلك بالرغم من الاكتشافات النفطية الهندية في ولايتي راجستان ومهاراشترا.

وتاريخياً واجهت الهند نقصاً في إمدادات النفط خاصة في السبعينات ثم الثمانينات مع بدء الحرب العراقية الإيرانية، ثم بعد اندلاع أزمة الخليج الثانية في 1990، وبالتالي عانت الهند من اختبارات قاسية لمدى قدرتها على الصمود في سلسلة الأزمات النفطية المتتالية التي شهدتها منطقة الخليج العربي.

لذا في ظل استمرار التوترات في منطقة الخليج بعد الاحتلال الأميركي للعراق والتوتر حول الملف النووي الإيراني، وإصرار إيران على تملك برنامج نووي مستقل، وردود الفعل الأميركية المحتملة، فتصبح إمدادات النفط الإيرانية للهند غير مضمونة.

وبالتالي فإن الهند لا تريد أن تبقى تحت رحمة إيران في حاجتها إلى النفط، خاصة وأن إيران سبق أن هددت بوقف تصدير النفط، بعدما صوتت الهند ضد طهران في اجتماع الوكالة الدولية للطاقة النووية.

وبالتالي في ظل تداعيات التطورات الإقليمية في منطقة الخليج صارت السعودية البلد الأكثر أهمية لتوفير النفط للهند حاضراً ومستقبلاً، خاصة وأن السعودية أكبر مزود للنفط للهند بنسبة تصل لحوالي 25% من واردات الهند النفطية.

ختاماً نتوقع أن تشهد العلاقات السعودية ـ الهندية مزيداً من التقارب، مدفوعة برغبة الطرفين، خاصة بعد زيارة الملك عبدالله للهند، والتي برز خلالها تطلع الهند لتحسين علاقاتها بالمملكة.

وإجمالاً هناك تفاؤل بمستقبل واعد لتنامي العلاقات بين البلدين استجابة لجملة معطيات موضوعية أهمها المصالح الاقتصادية الآنية والمستقبلية.

كاتب سعودي