لا أحد في مصر كان يتوقع أن تبقى الأمور في الأحزاب السياسية على حالها بعد ما حدث في الانتخابات البرلمانية الأخيرة والتي سقطت فيها كل الأحزاب بامتياز، فلم تحصد أحزاب المعارضة مجتمعة إلا على بضعة عشر مقعداً.
ولم تنل القائمة الرسمية لمرشحي الحزب الوطني الحاكم إلا على حوالي ثلث المقاعد، ولم تحقق تقدماً ملموساً إلا جماعة الإخوان المسلمين «المحظورة»! والتي حصلت على حوالي 20% من المقاعد.
لم يكن أحد يتوقع أن يمر كل ذلك بسهولة، ورغم أن الأصوات تركزت على النجاح الذي حققه الإخوان، فإن ما كان يستحق المتابعة ـ كما أوضحنا قبل أسابيع قليلة ـ هو أزمة النظام الحزبي بكامله.
وعجز الأحزاب جميعاً عن استيعاب حركة الشارع السياسي الذي استطاع بحركته خلال العام الماضي أن يكسر حلقات الجمود وان يتجاوز بحركته حركة الأحزاب ويكشف ضعفها الشديد.
ورغم أن المأساة تبدت في المفارقة بين حركة الشارع السياسي وبين فاعلية الأحزاب السياسية خلال العام الماضي، فإن البوادر كانت أقدم من ذلك، وفي انتخابات 2000 البرلمانية والتي لم تحصل فيها أحزاب المعارضة إلا على أقل من عشرين مقعداً تبدت المشكلة..
فالحزب الوطني كان قد بدأ يفقد سيطرته على الأوضاع الانتخابية التي تتوفر له بالاندماج الحاصل بينه وبين الحكومة وأجهزتها الإدارية، وفي هذه الانتخابات.
ومع آثار سياسات اقتصادية أرهقت الغالبية العظمى وأعادت تقسيم الثروات بين أقلية محظوظة وغالبية تعاني الفقر والبطالة، دفع الحزب الوطني الثمن، ولم تحصل قائمتة الرسمية إلا على أقل من 40% من مقاعد البرلمان.
ولكن المشكلة أن الوضع لم تستفد منه أحزاب المعارضة، بل ذهبت معظم المقاعد إلى «المستقلين» الذين انضم معظمهم بعد ذلك الى الحزب الوطني وأمنوا له الأغلبية المطلقة المطلوبة.
ورغم ما كشفته هذه الانتخابات، بقيت أحزاب المعارضة على حالها، راضية بهذا التمثيل الرمزي في البرلمان، وبهذا الوجود السياسي الذي يكاد ينحصر في الصحف الناطقة باسمها، ولم تحاول إصلاح أوضاعها بصورة جذرية، واستسلمت للقيود المفروضة عليها والتي تمنع حركتها في الشارع.
وعلى العكس من ذلك بدأ الحزب الوطني عملية مراجعة لما حدث ترافقت مع صعود جمال مبارك نجل الرئيس وتنامي دوره داخل الحزب، وانتهى الأمر بتغييرات شكلية عكست الصراع بين القيادات القديمة لحزب وبين المجموعة التي يقودها نجل الرئيس والتي يبرز فيها دور رجال الأعمال بشكل كبير.
ثم جاء العام الماضي بكل ما فيه من حراك سياسي واسع نحو إصلاح سياسي لم يعد ممكناً تجاهل التعامل معه. ولعبت حركات الاحتجاج.
وفي مقدمتها حركة «كفاية» دوراً مهماً في كسر الحظر الذي كان قائما على الحركة السياسية في الشارع، ورغم محدودية حجم المشاركة في تظاهراتها فقد نجحت في رفع سقف المطالبات السياسية وفي إقرار حق التظاهر.
وفي المقابل تحركت الدولة، وجاءت مباردة الرئيس مبارك بتعديل المادة 76 من الدستور وإقرار مبدأ اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر بين أكثر من مرشح، لتنقل الأوضاع الى منطقة أخرى للصراع السياسي.
ورغم التحايل والالتفاف الذي مارسه «ترزية القانون » في صياغة التعديل الدستوري المطلوب، فإن الخطوة كانت لها آثارها المهمة، وكشفت مرة أخرى ـ فيما كشفت ـ ضعف الأحزاب السياسية وعجزها ـ لأسباب ذاتية وخارجية ـ عن الدخول في منافسة متكافئة في أول انتخابات رئاسية.
والتي امتنع الحزبان اليساريان «التجمع والناصري» عن خوضها، بينما خاضها حزبا الوفد والغد في مواجهة الرئيس مبارك، وكانت المفاجأة أن رئيس حزب الوفد الدكتور نعمان جمعه جاء ثالثا وبفارق كبير عن مرشح «الغد» أيمن نور.
ورغم أن الوفد أرجع ذلك الى تأييد «الإخوان المسلمين» لأيمن نور، فإن المشكلة كانت في تدني الأصوات التي حصل عليها نعمان جمعة، والتي تركت آثارها بعد ذلك في أداء الحزب في انتخابات مجلس الشعب.
والتي وضعت الحزب ـ مع باقي أحزاب المعارضة ـ في موقف سيئ، خاصة بعد النتائج الجيدة التي أحرزتها جماعة «الإخوان المسلمين»، والتي حصدت وحدها نتائج الحراك السياسي في العام الأخير رغم انها لم تشارك في هذا الحراك إلا بالنزر اليسير.
وقد خرجت كل قيادات أحزاب المعارضة وهي في وضع لا تحسد عليه.. ورغم حديث بعضهم عن صفقة انتخابية بين جناح في الحزب الحاكم والإخوان على حساب أحزاب المعارضة، ورغم حقيقة آثار الحصار الطويل المضروب على هذه الأحزاب وقلة مواردها المالية بالمقارنة مع الحزب الحاكم من ناحية والإخوان من ناحية أخرى.
ورغم ما حدث من تجاوزات وأعمال عنف وبلطجة وتزوير ضد بعض رموز المعارضة.. فإن ذلك كله لم يكن كافياً لتبرير النتائج الهزيلة التي تحققت، ولا لإنكار العوامل الداخلية في هذه الأحزاب التي عانت من الجمود والشللية، وافتقد معظمها للديمقراطية في أدائه الداخلي.
وافتقد أيضا للتواصل الحقيقي مع الشارع السياسي، وقنع بالتمثيل الرمزي في البرلمان، في وقت أصبحت الرغبة في التغيير والإصلاح الحقيقيين هي المحرك الأساسي لحركة المجتمع.
وفي ظل هذه الأوضاع، تصاعدت الحركة داخل هذه الأحزاب لمراجعة الموقف الداخلي لها وبحث أسباب التراجع وتحقيق الإصلاحات المطلوبة لهذه الأحزاب قبل ان تتجاوزها الأحداث تمام وتضعها خارج الحسابات السياسية.
وفي الوقت الذي كان الكثير يتوقعون أن تكون بداية المراجعة الساخنة في حزب التجمع الذي سقط زعيمه التاريخي خالد محيي الدين وبعض أقطابه مثل أبو العز الحريري والبدري فرغلي في الانتخابات، أو في الحزب الناصري الذي لم ينجح منه أحد على الإطلاق وأن استخدمت كل الوسائل غير المشروعة لإسقاط رئيسه ضياء الدين داود في دائرته الانتخابية.
. جاءت المفاجأة من حزب الوفد الذي شهد زلزالاً كبيراً انقضت فيه قيادات الحزب الأساسية على رئيس الحزب وقامت بعزله والسيطرة على مقر الحزب وصحيفته، ليدخل الحزب مرحلة بالغة التعقيد لا يدري أحد هل ستكون في صالح تعديل أوضاعه وتصحيح مساره، أم ستكون بداية النهاية لحزب أساسي بتاريخه الطويل ويطرح نفسه كممثل أساسي لليبرالية في مصر.
ومنذ نشأة الوفد مع ثورة 19 وهو يشهد الكثير من الانشقاقات في صفوفه بسبب انطلاقه من فكرة أنه ممثل للأمة بكل طوائفها، وهو قول كان مقبولا في ظل معركة الاستقلال الوطني وكان يسمح بأن يضم الحزب مصالح متعارضة.. من الباشاوات الى الفلاحين، ثم بعد ذلك الطبقة الوسطى بكل أطيافها.
الآن الوضع يختلف.. فالحزب موجود على الساحة باعتباره ممثل الليبرالية وبالتالي فهو يفترض تجانسا بين أعضائه وقياداته.والحل لم يعد كما كان في الوفد القديم حيث كان الانشقاق يعني تكوين حزب جديد في ساحة تسمح بذلك.
الآن الوضع يختلف، وقانون الأحزاب سيئ السمعة يحبس أعضاء الحزب داخل حزبهم، ويجعل الخلاف من أجل السيطرة على الحزب هو الأمر الأساسي في وجود العقبات أمام تكوين الأحزاب.
والصراع في «الوفد» موجود منذ عودة الحزب للحياة السياسية قبل ربع قرن، وكان وجود زعيمه فؤاد سراج الدين يضبط الأمور، وبعد رحيله استطاع نعمان جمعة أن يحسم الصراع على خلافته لمصلحته في وجه تحالف العائلات الثرية.
واستغل بعد ذلك نظام الحزب الذي وضعه سراج الدين والذي يمنح رئيس الحزب سلطات مطلقه ويبقيه رئيسا للحزب مدى الحياة.. استغل ذلك في السيطرة على الحزب.
ومارس ذلك بطريقة انفرد فيها بالقرار وتقلصت أدوار هيئات الحزب وشخصياته. ثم جاءت انتخابات الرئاسة لتعكس تراجع وجود الحزب في الأقاليم، وتفاقم نتائجها من أزمة الحزب الداخلية وتدفع الأمور في النهاية الى الانفجار.
والصراع لم ينته، وقد انتقل الآن الى النيابة والمحاكم، والتأثير في النهاية فادح على مجمل الحياة السياسية والحزبية. والمؤكد أن أحزاباً أخرى ستنفجر فيها الصراعات بطريقة أو بأخرى. والسؤال الذي يطرح نفسه على الجميع: هل تنجح محاولات الإصلاح التي تستطيع من خلالها هذه الأحزاب ان تسترد الثقة والفاعلية لتعود لا عباً أساسيا في الحياة السياسية..
أم هي علامة النهاية لتجربة حزبية لم يعد ممكناً أن تستمر بنفس القواعد ولا بنفس اللاعبين؟! الكل يعرف الإجابة، والكل يدرك أنه لا حل إلا بإصلاح سياسي شامل يطلق الحريات.
ويمنح كل قوى المجتمع حقها في تنظيم نفسها والتعبير عن آرائها، ويفك الارتباط بين الحكومة وحزبها، ويستبق عوامل الفوضى والانفجار التي لابد أن تترافق مع انهيار نظام حزبي، لم يعد ـ بمعارضته أو موالاته ـ قادراً على الاستمرار!
نقيب الصحافيين المصريين