خطاب الرئيس جاك شيراك يوم 19 يناير الذي حمل تطويراً للعقيدة النووية الفرنسية من خلال إعادة تعريف المصالح الحيوية الفرنسية التي قد تدخل حمايتها ضمن الردع النووي، أطلق حواراً واسعاً وأثار تكهنات عديدة في توقيت هذا الإعلان وفي المعاني السياسية إلى جانب الاستراتيجية التي يحملها، ليس فقط في أوساط المؤسسة الاستراتيجية الغربية بل في العالم أيضاً.
أهم ما تضمنته الاستراتيجية الجديدة أنها تركز على تعريف أوسع للمصالح الحيوية يتضمن تهديدات مصادر الطاقة وكذلك القوى الإقليمية التي تشجع وتدعم الإرهاب والدفاع عن الدول الحليفة.
كما انها تتضمن إدخال عناصر المرونة الاستراتيجية في الردع من خلال استهداف مراكز السلطة وليس تدمير مدن بأكملها، كما كانت العقيدة الردعية النووية التقليدية.
وللتذكير فإن استقلالية الاستراتيجية النووية الفرنسية عن الولايات المتحدة والحلف الغربي تحت قيادة هذه الأخيرة حينذاك، والتي تبلورت في عام 1964 في أوج الحرب الباردة، وعلى أساس مفهوم القوة الضاربة كانت تقدم على ما يعرف بردع الضعيف للقوي. وكانت موجهة أساساً ضد الاتحاد السوفييتي .
وتقوم على امتلاك قدرة الضربة الثانية أو امتصاص أي ضربة أول مفاجئة، والحفاظ على القدرة رغم ذلك لإنزال خسائر غير محتملة من العدو، مما يردع العدو السوفييتي حينذاك عن اللجوء للخيار النووي أو للابتزاز السياسي بواسطة الخيار النووي ضد فرنسا.
التغيير الجديد بعد التحولات الاستراتيجية والسياسية والبنيوية في العالم، وبالتالي المستجدات التي طالت أولويات المخاطر باتجاه إعادة تعريفها وترتيبها، كما جاء في خطاب الرئيس الفرنسي، استدعت التحول نحو تعريف جديد لوظيفة القوة النووية الفرنسية، بحيث يمكن وصفها بعد الخطاب الرئاسي أنها تقوم على ردع القوي للضعيف أي عكس الحال التي كانت سائدة في الماضي.
وأنها تؤدي إلى خفض خط التدخل النووي أو الخط الذي تؤدي ملامسته إلى التحول من الردع التقليدي إلى الردع النووي، وخفض هذا الخط قد يضعف مصداقية الردع النووي أو قد يزيد من مخاطر اللجوء إليه، كما يحذر عدد غير قليل من خبراء استراتيجيات الردع النووي.
جملة من العناصر كانت وراء هذا التغيير:
أولاً: هناك الحاجة إلى إحداث ما يسمى بإعادة تصويب في الاستراتيجية النووية في ظل التحولات والمتغيرات العالمية، بحيث تواكب الاستراتيجية مصادر التهديد الجديدة ولا تصبح مهمشة وغير ذي جدوى بل تبقى خطوة نوعية ذات مصداقية تقع في أعلى مراحل التعامل مع التهديدات.
ثانياً هناك الحاجة أيضاً، في السياق ذاته لتبرير استمرار الانفاق في الحفاظ على الاستراتيجية النووية على صعيد الرأي العام، خاصة أن فرنسا التي تعاني من وطأة الدين العام مضطرة إلى الاستمرار في إنفاق حوالي ثلاثة مليارات يورو سنوياً على هذه الاستراتيجية، إنها عملية تهدف للحفاظ على مشروعية الردع النووي الفرنسي.
ثالثاً: في ظل غياب سياسة دفاعية أوروبية وفي ظل تأزم مشروع البناء الأوروبي كما ظهر في رفض الفرنسيين لمشروع الدستور الأوروبي الجديد في الاستفتاء الذي حصل نهاية شهر مايو الماضي، أراد الرئيس شيراك إعطاء وظيفة أوروبية للردع النووي الفرنسي طالما هناك غياب لإمكانية «أوربة» هذا الردع، هذه الوظيفة بالطبع لم تلاق ترحيباً من ألمانيا.
ومن العديد من الأوساط الأوروبية باعتبار أنها تندرج خارج سياق المشروع الأوروبي، ولو المعطل، كما يري هؤلاء المنتقدين وأنها أيضاً تكرس أرجحية الدور الفرنسي في أوروبا وهو ما يثير حساسية المنتقدون ذاتهم.
رابعاً: توقيت الإعلان وطبيعة العناصر التي يركز عليها ربط العقيدة الجديدة ولو بشكل غير مباشر ورغم تكرار النفي الفرنسي بالشرق الأوسط، وبشكل خاص بالأمن الخليجي وتحديداً بالدور الإيراني الراهن في أوج لحظات صدامه الاستراتيجي.
أو النووي مع الغرب، والسياسي عبر خطاب أحمدي نجاد عن المحرقة وإسرائيل وخروجه عن منظومة القيم الدولية المستقرة والمتعارف عليها في هذا الأمر.
خامساً: اعتبر بعض المراقبين الفرنسيين أن هذه العقيدة هي بمثابة «الوصية النووية» للرئيس الفرنسي يتركها لمن سيأتي بعده ولكنها سترسم الإطار الجديد للردع النووي الفرنسي، الإطار الذي سيصعب الخروج منه لاحقاً.
أياً كان الموقف من هذه العقيدة النووية الجديدة، إلا أن الجميع يتفق على أنها إعادة فتح ملف استراتيجيات الردع النووي عند الكبار وعند الصغار وفرضه على الأجندة الدولية.
كاتب لبناني