بعد ولادة أجيال وأجيال وتشريد مئات الآلاف من أبناء الشعب الفلسطيني ليصبحوا لاجئين في شتى أقطار الأرض، وبعد معاناة دامت أكثر من ستين عاما، وبعد سيول من الدم التي أريقت بدون وجه حق، وبعد ظلم لم يعرف له تاريخ البشرية مثيلاً.
وبعد كتائب الشهداء الذين زلزلوا أرض (إسرائيل) وأقلقوا مضاجع حكامها وطيروا النوم من عيون سكانها، وبعد الحصار والدمار والاحتلال والاستيطان والهدم والسحق والتفجير والاغتيالات والضغط والحرب النفسية والقهر وقلع أشجار الزيتون وبعد تآمر الدول المتحضرة المتقدمة (المتدمقرطة) والمتغطرسة ضد شعب أعزل، وبعد سرقة ممتلكاتهم ومصادرة مزارعهم والاستيلاء على ثقافتهم.
وبعد وبعد وبعد، وبعد صبر طويل وإيمان راسخ وعزة نفس ودفاع عن الذات والحق ونذر الروح للوطن، توجه الشعب الفلسطيني لاختيار شكل من أشكال حريته: مجلس الشعب.
لم يكن الطريق الذي اجتازه الشعب الفلسطيني سهلاً. وفي حقيقة الأمر فإن كل الشعوب العربية والإسلامية بشكل عام عانت الأمرين للحصول على جزء من حريتها ومن أشعة الشمس بعد عقود من الاحتلال والاستعمار والاستغلال المنظم. وهذه الدول التي شبه تحررت مازالت تسعى جاهدة للحصول على جزء أكبر من حرية تقرير المصير.
غير أن معاناة الشعب الفلسطيني أمر آخر. وما يجعله أمرا آخر هو أن من حاول أن يسلبه حقه ويضعه في طريق المأساة والتشرد هو نفسه قد كان ضحية الظلم البشري.
ولا تنكر بريطانيا أنها هندست وصممت معاناة الشعب الفلسطيني التي امتدت لأكثر من ستين سنة: أي أن هناك طفلاً ولد وكبر وبلغ الستين من العمر ومات ولم ير حبة رمل من أرض فلسطين!
ويرى الكثيرون من رجال القانون الدولي بأنه من حق الشعب الفلسطيني اليوم أن يرفع قضية يطالب فيها المملكة التي غابت عنها الشمس والتي كان يعتقد في يوم من الأيام أنه لن تغيب عنها، بتعويضات عن تلك الخسائر التي دفعها الشعب الفلسطيني جراء ذلك الوعد المر.
لقد أثبت الشعب الفلسطيني قدرته على التحمل والصبر والاستمرار في التحدي. ونحن نعني بالذات تلك الفئة التي رفضت أن تراهن على مستقبلها ولم تترك أرضها ووقفت في وجه الاحتلال بالمقاومة الشرسة والفداء النادر الوجود في تاريخنا الحاضر. لقد أوصل الحجر الصغير والطفل الصغير والإرادة الكبيرة الشعب الفلسطيني إلى صناديق الاقتراع.
كما أوصله قبل شهور إلى مشاهدة الجيش الإسرائيلي ينسحب من غزة مع مستوطنيه وكرافاناتهم. ومن يدري ما يخبئه الغيب في المستقبل أمام تزعزع الاستقرار النفسي للإسرائيليين وانتشار العنصرية الداخلية وظاهرة الفساد المتزايد ورحيل كبار مؤسسي الدولة اليهودية!
إن ما شدنا في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، ليس فقط الجانب المعنوي لشعب أصر على الوصول، ولكنها أمور عدة ومتعددة وعلى رأسها الجانب الحضاري في طريقة الاقتراع.
فالعالم كله سيشهد على نزاهة الانتخابات البرلمانية الفلسطينية من خلال النظام والهدوء وعدم الفوضى التي نشهدها عادة في مثل هذه المناسبات، خاصة بعد اتفاق غالبية الفصائل الفلسطينية المسلحة على حماية يوم الاقتراع.
إنها لحظة حاسمة، ويبدو أن الشعب الفلسطيني الذي يعتبر من بين أكثر شعوب العالم ثقافة وعلما، استفاد من تجاربه وخبرته ليضع الخطوط العريضة لمسيرته المقبلة.
ولكن أكثر ما يثير اشمئزاز الكثيرين من متابعي أخبار تلك الانتخابات هو التدخل غير القانوني والذي يتنافى مع أبسط قواعد الذوق السياسي والدبلوماسي لبعض الدول الغربية قبل وأثناء سير تلك الانتخابات.
ونحن لا نعلم إن كان يحق لهذا أو ذاك أن يملي أو يفرض شروطه على مثل تلك الإجراءات التي يعتبرها الجميع حقاً شرعياً وخاصاً وأمراً داخلياً يهم الشعب الفلسطيني وحده.
فالشعب الفلسطيني ليس فقط حركة فتح، فهناك أطراف عدة يتكون منها الشعب الفلسطيني، وخاصة حركة حماس التي في فترة لا تزيد على 18 سنة (حيث قامت رسميا في 1988) قفزت لتنافس حركة فتح على مقاعد البرلمان الفلسطيني، هذا إذا علمنا بأن عمر حركة فتح يناهز الـ 46 عاما (حيث نشأت في أواسط الخمسينات وأعلنت رسميا في 1 يناير1960).
فمن يحق له أن يفرض مشاركة تلك الجهة في الحكومة أو عدم مشاركتها فيها؟ ترى أي دولة من تلك الدول (المتحضرة) التي بدأت تمارس سيطرتها على كل صغيرة وكبيرة في العالم توافق على التدخل في سير انتخاباتها أو الضغط على أحزابها؟
من حق الفلسطينيين أن يقرروا بأنفسهم ما يحقق لهم الاستقرار وبناء الدولة التي حاربوا حتى الموت من أجل قيامها. وهؤلاء يعرفون حق المعرفة بأنه لا يوجد مخلوق على وجه الأرض يستطيع تغيير الواقع الفلسطيني.
لقد اتفق الفلسطينيون على الاستمرار وهم ذاهبون في هذا الاتجاه. وهم يعلمون جيدا أن الشعب الفلسطيني لم يعد في حاجة إلى وصاية خارجية. وكان أحرى بتلك الدول التي تنادي وتتبجح بالديمقراطية أن تدعم مثل تلك الخطوات التي تسير في الطريق الصحيح.
إن نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية جرت بما لا تشتهيه ربابنة تلك الدول. وعلى هذه الأخيرة أن تقدر وتحترم إرادة وحرية الشعب الفلسطيني في الاختيار وإن تتعامل معه على هذا الأساس بعيدا عن التهديد والوعيد.
وهذا الشعب رغب في تلك النتيجة. وحماس ربما تمثل نصف ذلك الشعب، أبينا أم قبلنا! فعلى الدول الغربية التي لم تعرف بعد كيف تفصل بين الحق والباطل وكيف تتجنب الكيل بميزانين أن تتعلم في الوقت نفسه من درس نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية:
فهذه الدول يعود لها الفضل في وصول حماس والحركات الإسلامية الأخرى ومنها المتطرفة جدا في العالم العربي والإسلامي إلى السيطرة على الشارع العام والمؤسسات المهمة! ويبقى على الأمة الإسلامية والعربية قاطبة دعم هذا الشعب الذي وضعه التاريخ في وجه المدفع وتركناه يصارع مصيره وحيداً وبقينا جالسين نتفرج على أطفاله وهم يقاومون بالحجر والمقلاع!
dralaboodi@gmail.com
جامعة الإمارات