في زمن انقلبت الموازين على حساب الحق والشرعية الدولية، يخاطب بعض الذين نصبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع الدولي الشعوب الناهضة بلغة التهديد والوعيد وكأن من واجبات «الوصاية» التي يحاولون فرضها عليها تأديب وتهذيب من يحاول من تلك الشعوب فرض إرادته واثبات ذاته ووجوده.

انقلبت الموازين وبدلاً من أن يقول هؤلاء «الأوصياء» إن على كل دولة أن تلتزم بتطبيق ما تفرضه عليها المواثيق والقوانين الدولية، صاروا لايميزون بين الحق والباطل، بل يمارسون سياسة بغيضة هي ازدواجية المعايير أو الكيل بمكيالين.

وهذا ما ينطبق على الذين يتعاملون مع منطقتنا العربية المنكوبة بإسرائيل التي تمارس الإرهاب بكل أشكاله في مواجهة شعب يسعى الى الحرية والاستقلال وهو الشعب الفلسطيني البطل.

دولة زرعها الاستعمار قبل نصف قرن وراح من يرون أنفسهم أوصياء على الشعوب يدللونها حتى بدت أمام العالم وكأنها تتمتع بحصانة تعفيها من المساءلة والعقاب.

هؤلاء «الأوصياء» جعلوا من لا يعرفون الحقيقة بكاملها ـ ينظرون إلى فوز حركة المقاومة الفلسطينية «حماس» في الانتخابات التشريعية وكأنه كارثة أحلت بالشرق الأوسط.

ونسوا أن نتيجة الانتخابات عبرت بالفعل عن نبض الشارع الفلسطيني الذي يئن من وطأة احتلال لا يعرف سوى لغة القوة والبطش في التعامل مع شعب اغتصبت أرضه.

وشرد الملايين من أبنائه وتحولت مدنه وقراه إلى سجون تحاصرها مصفحات ومدرعات وبنادق الاحتلال من كل جانب. نسوا أو تجاهلوا أن الحكومة الإسرائيلية لم تكتف بالمذابح والمجازر وعمليات المداهمة الوحشية ضد الفلسطينيين.

بل أقامت جدارا عنصريا فاصلا واضحاً للعيان ليس هدفه كما يزعم الصهاينة توفير الأمن للدولة العبرية، وإنما ابتلاع أراضي الضفة الغربية من أجل كتل الاستيطان التي تطوق مدن الضفة الغربية والقدس العربية.

كان من الأجدر بالذين يطالبون حركة حماس بوقف نضالها المشروع ويصفونه بأنه عنف ويزعمون أنه «ارهاب» أن يطالبوا إسرائيل «المدللة» برفع يدها عن الفلسطينيين وإنهاء احتلالها لأراضيهم، وأن ينطقوا أمام العالم بكلمة حق لا تعرف المجاملة.

كان عليهم، على الأقل، أن يطالبوا بتطبيق الشرعية الدولية في الشرق الأوسط، تلك الشرعية التي داس الكيان الصهيوني عليها وأطاح بها دوماً في كل المواقف.

حماس التي يحاولون تشويه مسيرتها النضالية لا ترفض السلام، وإنما تتمسك بحق الشعب الفلسطيني، لم تمانع كما قال أحد قادتها ـ أبو العز محمد عبد الوهاب ـ في إقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة والاتفاق على هدنة مع إسرائيل مدتها عشر سنوات. بل انها أيضا لا تفكر بالانفراد بالقرار الفلسطيني.

وقال نائب رئيس المكتب السياسي لحماس الدكتور موسى أبو مرزوق ان للرئيس الفلسطيني محمود عباس صلاحيته الكاملة. لقد آن الأوان ـ حقاً ـ لإسقاط محاولات فرض الوصاية على الشعوب، وفي مقدمتها الشعب الفلسطيني الصامد.