ثمة بعض من يحاول الآن في عالمنا إعادة اكتشاف الكهرباء جاهلين أو متجاهلين، ناسين أو متناسين، أن الكهرباء قد تم اختراعها منذ زمن وأن شعارات مثل «العصرية أو العولمة أو الديمقراطية أو حقوق الإنسان.

أو الشرق الأوسط الجديد أو الكبير لا فرق، أو الحرية والسيادة والاستقلال، أو مكافحة الاستبداد وضرورة تغيير الأنظمة الدكتاتورية، أو حتى بكل مبررات الحرب العالمية ضد الإرهاب» لن تفلح في تقديم مبرر مقنع لمحاولة إعادة اكتشاف ما سبق أن تم اكتشافه بالفعل قبل عشرات السنين.

إن كل هذه الشعارات أو الإدعاءات البريئة منها والمشبوهة، الصادقة منها والكاذبة، المعقولة منها والساذجة، لا يمكن أن تدفع أو تسمح لإنسان عاقل أو فاهم أن يضيع وقته ووقت العالم بخوض هذه التجربة لمحاولة إعادة هذا الاختراع البناء للبشرية جمعاء، لأن ذلك لن يكون له من نتيجة سوى إثارة استغراب ودهشة العالم ليس فقط.

ولكن أيضا لأنه سوف يثير ضحك وسخرية أطفال المدارس سواء في بلادنا أو في سائر بلدان العالم، لأنهم حفظوا عن ظهر قلب أن هناك من سبق هؤلاء المخترعين العولميين الجدد باكتشاف الكهرباء.

أقول هذا الكلام بمناسبة المحاولات الجديدة الأميركية والإسرائيلية لإعادة كتابة التاريخ، ولإعادة رسم خرائط الجغرافيا، في الشرق الأوسط خصوصا وفى العالم عموما وفق المنطق الاستعماري القديم الذي ثبت من التجربة التاريخية اللامحدودة للبشرية، ومن التجربة التاريخية المحدودة لهما بالتحديد أنه منطق عفا عليه الزمن.

ومحكوم عليه بالفشل لأن عصر الإمبراطوريات الاستعمارية قد ولى، وإن بقيت بعض آثاره، واننا اليوم نعيش عصراً جديداً هو عصر الحرية وعصر الشعوب.

إن الذين يحاولون إعادة كتابة التاريخ، ربما لضعف صلتهم بالتاريخ، أو إعادة رسم خرائط الجغرافيا، ربما لقوة صلتهم بأطماع التوسع وباغتصاب أراضي الشعوب، خصوصاً في منطقتنا العربية والإسلامية التي يطلقون عليها «الشرق الأوسط الكبير» في محاولة لتذويب هويتها القومية والدينية.

أولى بهم أن يعيدوا قراءة التاريخ الذي نعرف أنه يشكل لهم عقدة نفسية، مع معرفة أن تاريخ الولايات المتحدة الأميركية كله لم يبلغ سوى أقل من قرنين ونصف قرن فقط رغم أحلامها الأسطورية، بينما لم يبلغ عمر قاعدتها الصهيونية الاستعمارية المتقدمة في منطقتنا إلا ما يزيد قليلا على نصف قرن فقط رغم أوهامها الأسطورية!

إننا نقول لهم اسألوا تلاميذ مدارسنا الابتدائية في المنطقة العربية والإسلامية الضاربة بجذورها التاريخية والحضارية عبر آلاف السنين لتعرفوا بعض ما يعرفون عن مصير الإمبراطوريات الاستعمارية السابقة على تاريخ وجودكم واللاحقة على وجودكم غير التاريخي، تلك التي سيطرت واحتلت الأراضي الشاسعة للشعوب وعلت وسادت، والتي في النهاية بضغط كفاح الشعوب وإصرارها على طرد المحتلين من أراضيها انهارت وبادت.

اسألوهم.. أين الإمبراطورية الإغريقية وأين الإمبراطورية الرومانية؟ بل أين الإمبراطورية البريطانية وأين الإمبراطورية الفرنسية؟!

سيقولون لكم غابت عنها الشمس جميعا وهى التي كانت تزهو يوما بأنها لا تغيب عنها الشمس!

..ثم اسألوا أنفسكم عما حدث لكم في التاريخ القريب في فيتنام وفى «خليج الخنازير» وفى الصومال وفى لبنان؟

بل اسألوا جيوشكم التي لا تقهر عما يحدث لكم الآن في الميدان سواء في العراق أو حتى في أفغانستان.. لتعرفوا مقدما نتيجة الغد لما تحاولون فعله اليوم في سوريا أوفى لبنان أوفى السودان أو حتى في إيران.

إنها كلها تجارب الهزيمة والفشل الناتجة عن مغامرات غير شرعية وغير مجدية وغير محسوبة إلا بحسابات القوة العسكرية المدمرة قصيرة النظر، المجافية لحسابات القوة الحقيقية والدروس التاريخية المحسوبة بقوة قدسية الحق وإرادة الحرية والدفاع عن الكرامة الوطنية بعيدة النظر.

إن التجربة الاستعمارية لحلفاء أميركا ومن هم في فلكها والتي لم تتخل عن احتلال الأرض العربية من المحيط إلى الخليج إلا بالكفاح وبالمقاومة، ولم تتحرر هذه الشعوب رغم بطش الاحتلال بكل أسلحة القوة وجبروت العدوان عن طيب خاطر.

لكن القوى الاستعمارية اضطرت أن تحمل عصاها على كتفها وترحل عن بلادنا بعد أن اكتشفت في النهاية أن الانسحاب أقل تكلفة من الاحتلال، وبعد أن اكتشفت الشعوب أن النضال والمقاومة أقل تكلفة من الخضوع والاستسلام.

لقد أصبح هذا الدرس للقوى الاستعمارية القديمة منها والجديدة، اكتشافا لا تجدي بعده أية محاولة جديدة لإعادة الاكتشاف بأن محاولة احتلال أراضي الشعوب تجربة خاسرة، وأن الاستعمار مهما طال أمده مغامرة فاشلة.

كما أثبت هذا الدرس أن الكفاح الطويل والقبول بالتضحيات الغالية هو الطريق الواضح للضغط على المحتلين وإجبارهم على الرحيل وأن حرية الأوطان يهون في سبيلها أي ثمن مهما غلت التضحيات.

وهذا الكلام ليس من قبيل إطلاق الكلام الرنان أو الشعارات الخادعة إنما هو الاكتشاف الذي أثبتته التجربة النضالية للشعوب العربية، إن هذا الاكتشاف بفشل التجربة الاستعمارية لأراضي الشعوب يبقى هو الدرس الذي يجب أن يفهمه ويعيه الجميع سواء أولئك الذين يسعون إلى إخضاع إرادة الشعوب، أو تلك الشعوب التي تناضل للحفاظ على استقلالها وسيادتها وكرامتها الوطنية.

أما أولئك المتجاهلون لدروس التاريخ القريب منها والبعيد أو أولئك المتناسون لما سبق اكتشافه من تجارب سواء في ثورة المليون شهيد في الجزائر أو في عصر ما قبل السويس أو عصر ما بعد فيتنام.

أو سنوات ما بعد درس جنوب لبنان أو في الانتفاضة الفلسطينية، أو في المقاومة العراقية، فهم أشبه بمن يحاول إعادة اكتشاف الكهرباء!

mamdoh77t@hotmail.com

كاتب مصري