امتدح المعلقون حل أزمة بيت الحكم في الكويت والأدوات الدستورية التي لجأت إليها الأسرة الحاكمة بالكويت والكويتيون لحل هذه الأزمة. وبشكل عام فان هذا الانتقال السلس للحكم وحل الأزمة استنادا إلى الدستور ووفق أدوات دستورية وبكل هذه الشفافية أمر يستحق الإعجاب والتقدير.

لكن «أزمة بيت الحكم» مثلما أسميت ليست جديدة بل تعود إلى بضع سنوات خلت كما أن المصطلح نفسه ابتكار كويتي صميم. هذا أمر آخر يستدعي التوقف أيضاً.

فخلال السنوات القليلة الماضية، بدأ الكويتيون يتحدثون علناً عما أسموه «أزمة بيت الحكم» منذ أن بدأت صحة الأمير الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح بالاعتلال وصحة الشيخ سعد العبدالله أيضاً. ومنذ أن بدأ الأمير الجديد الشيخ صباح الأحمد ينوب عن الشيخ سعد العبدالله في رئاسة الحكومة، بدا واضحاً أن الكويتيين يستعدون لما جرى طيلة الأيام القليلة الماضية منذ وفاة الشيخ جابر الأحمد.

قبل حوالي عامين، أعلن الشيخ صباح الأحمد في حديث لصحيفة «الحياة» أن «الأمير وولي العهد كبرا وأنا كبرت معهما أيضاً». ومنذ سنوات بدأ الحديث أيضاً عن جيل جديد من شيوخ آل الصباح مرشحين أو طامحين للحكم، وظلت الصحافة توالي في التكهنات وتبحث عن شخصيات تسلط عليها الأضواء كمرشحين محتملين للحكم.

لكن لماذا بدا الكويتيون وكأنهم مهيأون تماما لمثل تلك الأزمة التي مرت على الكويت خلال الأيام الماضية؟

تلك الصراحة وفتح ملف انتقال الحكم مبكرا كان حريا بأن يستوقف الكثيرين منذ تلك الأيام وان يجيب على التساؤلات التي ظهرت بعد وفاة الشيخ جابر، أو على الأقل أن يزيد في مقدار الثقة في قدرة الكويتيين على تجاوز هذه الأزمة ويقلل من علامات التعجب والاندهاش.

لقد ناقش الكويتيون وعلى مدى سنوات بشفافية مرض قياداتهم وطرحوا التساؤلات مبكرا حول الأمير المحتمل، وكانوا يناقشون ذلك طيلة سنوات، واللافت في الأمر أن شيئاً استثنائياً لم يحدث.لم يعتقل احد ممن ناقش الموضوع أو أطلق تكهنات ولم تغلق صحيفة بل كانت الحياة تسير كالمعتاد في الكويت.

وهذا إذا كان يسجل ميزة لديمقراطية الكويت وطبيعة علاقة الأسرة الحاكمة بشعبها، فانه يشير إلى ميزة كويتية أخرى وهي أن الكويت ليست بلد الأسرار. ليس هناك سر في الكويت وكل الموضوعات والقضايا والهموم والمشكلات والخصومات والخطط والنوايا يتم تداولها بكل وضوح وشفافية.

إن المرء يذهل من كمية المعلومات التي يتداولها المواطن الكويتي العادي في أي حديث. إنهم يتابعون كل ما يجري في بلدهم أولاً بأول ولديهم تفسير وموقف حيال كل قضية، وإذا كان هذا سيعزى إلى الدور الذي تلعبه «الديوانيات» فقد آن الأوان للالتفات إلى فضيلة أخرى من فضائل الديمقراطية في الكويت.

لا يتعلق الأمر بقدرة حفنة من النواب على الوقوف في وجه رغبة رأس البلد مرة وأخرى في منح حق المشاركة السياسية للكويتيات ومعارضتهم العنيدة طيلة سنوات لرغبة الأمير والحكومة. إن النواب الإسلاميين والقبليين مزعجون حقا ويثيرون حنق الكثيرين، لكن أليست هذه هي الديمقراطية في أفضل صورها؟.

لقد ظلت تيارات الكويت السياسية تتصارع في كل ميدان ومن خلال الصحافة والمنابر وفي كل انتخابات لمجلس الأمة وعبر المؤسسات التي يملكها أو يسيطر عليها كل تيار. لكن هذه الممارسة الطويلة والصراع السلمي الممتد وشيوع الانتخابات والتوجه إلى صناديق الاقتراع والقبول بأحكامها، هو بالضبط الأرضية التي بنى عليها الكويتيون إرثاً ثبت عملياً أن من الصعب تجاوزه.

إن تكرار التوجه لصناديق الاقتراع أبعد من كونه أداة ضرورية للاطمئنان بأننا نمارس الديمقراطية، ابعد من هذا فان القبول بأحكام صناديق الاقتراع هو ما يرسخ الديمقراطية. وإذا كان الكويتيون قد شرعوا يتحدثون عن أزمة بيت الحكم منذ وقت مبكر، فإن هذه الشفافية ليست سوى ثمرة لتلك الممارسة الطويلة من الديمقراطية وتصرفاتها الضرورية، التوجه لصناديق الاقتراع واحترام القانون.

ويبدو الاحترام متبادلا بين الكويتيين والأسرة الحاكمة لقواعد الديمقراطية. فالأسرة لم تحسم هذه الأزمة إلا بالاحتكام للدستور ووفق أدواته.

شفافية وانتقال الحكم وفق الأدوات الدستورية، وشعب وحكومة وأسرة حاكمة تحترم الدستور، وتحل أزمة حكم بالاحتكام للدستور.. ماذا تبقى لكي تكتمل الديمقراطية من فضائل الديمقراطية؟.

كاتب بحريني