في صباح أحد أيام الآحاد، كان مقدم برنامج «واجهة الصحافة» على محطة «إن.بي.سي» تيم روسيرت، والمذيع المخضرم في محطة «سي.بي.إس» دان راذر، ومقدم برنامج «نايت لاين» المتقاعد في «إيه.بي.سي» تيد كوبيل، مستغرقين في التفكير بشأن الجدل العاصف حول شرعية سياسة إدارة بوش في التجسُّس على المواطنين الأميركيين.
أعلن كوبيل أن الجدل سينتهي في اللحظة التي تعاني فيها أميركا من 11 سبتمبر أخرى.وأضاف قائلاً: «كما سيحدث بالتأكيد». وكان يشير ضمناً، بالطبع، إلى أن الكونغرس سيسارع حينها إلى منح الرئيس حرية أكبر في التجسُّس وليس أقل. ولم يخالفه الرأي في تنبؤه لا روسيرت ولا راذر.
وفي ذلك اليوم كان لدى جمهور برنامج «واجهة الصحافة» العريض سبب جديد لأن يعتبروا حرب أميركا على الإرهاب فاشلة.
في ظل السياسات الأميركية الحالية، يعتبر كوبيل على حق. فحدوث 11 سبتمبر أخرى هو أمر محتوم، والأعمال الحربية الأميركية قد عزّزت من التمرد في العراق ولم تضعفه. وتسبب عمل آخر حديث في باكستان في احتجاجات قاسية، عندما قامت الـ «سي.آي.إيه» ـ غير المعروفة على نطاق واسع كوكالة منفذة للحروب ـ بقصف جوي مميت ولا يحظى بالقبول. والآن يستمتع نشطاء «القاعدة» بتنامي التأييد الشعبي لهم في كل من العراق وباكستان.
عندما اقترح زعيم «القاعدة» أسامة بن لادن مؤخراً هدنة مع إدارة بوش، رفض البيت الأبيض بازدراء. إنني آمل حقاً، على الأقل، أن يكون مسؤولونا قد طلبوا سراً تفاصيل عن الهدنة، وأخيراً تفاصيل عن المظالم العربية.
المظالم في تزايد، ولكن حتى الآن لم تفعل الحكومة الأميركية شيئاً من أجل التعرف على هذه المظالم، فما بالك بمعالجتها. وبدلاً من ذلك فإنها تركِّز في العراق على تدمير المتمردين على نحو لا يبدو أنها تدرك معه أنهم ينظرون إلى القوات الأميركية كقوات احتلال أجنبية ويريدونها أن تخرج.
وفي إسرائيل وفلسطين، تساعد حكومتنا إسرائيل على تدمير المقاومين العرب الذين تتمثل مظالمهم في التورط الأميركي في الاحتلال الإسرائيلي للأرض العربية وانتهاكاتها اليومية لحقوق الإنسان العربي.
وكان يفترض في الرئيس بوش أن يكون قد تعلّم أن أعمال الحرب لن تهدّئ الأوضاع في العراق. وعليه أن يعرف إن دعم أميركا للعدوان الإسرائيلي أمر خاطئ، أخلاقياً وقانونياً.
لماذا 11 سبتمبر؟
قبل أشهر أخبر ابن لادن العالم ان هجمات 11 سبتمبر كانت رداً على التواطؤ الأميركي في جرائم إسرائيل في بيروت عام 1982، والتي ذبح فيها أكثر من 18 ألف عربي، إضافة إلى اعتداءات وحشية أخرى حدثت بعد ذلك.
وهذه الأيام نعطي ابن لادن حوافز لتوجيه ردّ عنيف آخر، لكن حكومتنا تستطيع منع وقوع كارثة أخرى من دون إطلاق عيار ناري واحد أو إنفاق المزيد من المليارات على محاولاتها العقيمة لتعليب أميركا في قمقم وقائي، وكل ما عليها فعله تعليق كل المساعدات إلى إسرائيل إلى أن تنهي احتلالها للأراضي العربية.
ومن شأن ذلك الموقف أن يستنهض همم المؤيدين لأميركا في أنحاء العالم، وسيساعد على الأرجح في تحجيم التمرد في العراق. وسيعيد هذا أيضاً البريق لاسم أميركا الذي بات مقترناً بالحروب وحبس مشتبه بهم دون سند. من القانون وممارسة التعذيب ضدهم في السجون السرية.
لماذا تواصل حكومتنا دعمها لحكومة شرق أوسطية تنتهك الحقوق العربية على نطاق واسع؟
من واقع خبرتي الشخصية الطويلة، فإن إجابتي المختصرة على هذا السؤال هي أن كل الساسة الأميركيين تقريباً يعتبرون أي انتقاد لإسرائيل نهاية لحياتهم السياسية.
هناك أسئلة أخرى تطرح نفسها: أين هي الأصوات الأخلاقية القوية في الصحف والتلفزيون، ومنابر الكنائس أو القاعات الأكاديمية؟
هل الجميع صامت خوفاً من تهمة معاداة السامية؟
ألهذا السبب لا يريد أحد ـ ولا روسيرت أو كوبيل أو راذر ـ ولا أي صحافي بارز واحد في أميركا الحديث أو الكتابة بشكل ناقد عن حماقة انحيازنا غير المشروط لإسرائيل؟
هل قدرنا أن نتكبد المزيد من الحروب، المزيد من القتلى، المزيد من العوائل المنكوبة، المزيد من المليارات التي تضاف إلى الدين العام والمزيد من العداء في أنحاء العالم، لمجرد إن قيادة أميركا الوطنية، بكبيرها وصغيرها، تخشى لوبي إسرائيلي الأميركي؟
يستطيع الرئيس بوش تحويل سحب الحرب المظلمة إلى وعود سلام مشرقة. كل ما عليه فعله هو أن يغمد سيفه ويقف وقفة حازمة إلى جانب العدل. لكن هل سيفعل ذلك؟
كاتب وسيناتور أميكي سابق
خاص لـ «البيان»