هل من المنتظر أن يلقى صدام حسين محاكمة عادلة؟

إن الشرط الأساسي للعدالة في أي مكان أو زمان وجود جهاز قضائي مستقل يقوم عليه في جميع مستوياته قضاة متحررون من الرغبة والرهبة. والشرط الأساسي لوجود قضاء مستقل في دولة ما هو ان تتمتع الدولة بالسيادة الوطنية الكاملة.

هذا الشرط الأخير ـ الذي هو أساس الأساس ـ ليس متوفرا في عراق اليوم كما هو معلوم، فالبلاد خاضعة لاحتلال عسكري أجنبي بعد عملية غزو من الخارج أطاح تلقائيا بكل عنصر من عناصر السيادة الوطنية في سياق الإطاحة بالنظام الحاكم ورئيسه.

من منظور القانون الدولي فإن هذا وضع غير شرعي، ومما يترتب على هذه الحقيقة ضمن أشياء أخرى أن الجهاز القضائي العراقي أبعد ما يكون عن الاستقلالية.

هذا هو المغزى الذي تعكسه عملياً استقالة القاضي زركار أمين.

لقد أعلن القاضي زركار دون مواربة انه تقدم باستقالته احتجاجا على تدخل سياسي من جانب الحكومة العراقية في مجريات المحاكمة.

والتدخل الحكومي لم يكن في الحقيقة سريا في كل تفاصيله، فبعد ان بدأت جلسات المحاكمة سمعنا وزراء يدلون بتصريحات إعلامية يطالبون من خلالها بإدانة المتهم صدام حسين وإعدامه.

وشهدنا وشهد العالم مظاهرات دبرتها شخصيات حكومية أو شخصيات ذات نفوذ قوي على السلطة تطالب أيضاً المحكمة بإصدار قرار بالإعدام. وعندما تبين لاحقاً أن القاضي زركار يتعامل مع المتهم الأول والشهود بأسلوب النزاهة المهنية خرجت مظاهرات تندد بالقاضي نفسه.

وعلى صعيد موازٍ جرى اغتيال محاميين من فريق الدفاع عن صدام في حادثتين غامضتين دون أن تتحرك وزارة الداخلية لإجراء تحقيق جاد. وبينما تلقى محامون آخرون تهديدات بالقتل فإن الحكومة العراقية تجاهلت طلب فريق الدفاع لتوفير وسائل حماية.

لقد جرى تعيين قاضٍ آخر ليخلف القاضي زركار، ولكن سرعان ما دخلت على الخط هيئة تدعى «لجنة اجتثاث البعث» لتعترض قائلة إن القاضي الجديد من بين المشتبه بهم بالتعاون مع نظام صدام. ومرة أخرى جرى تعيين قاضٍ هو رؤوف رشيد عبد الرحمن لا ندري بأي أسلوب سيدير مجريات المحاكمة.

وفي كل الأحوال يبقى التساؤل قائماً: ما مدى شرعية محاكمة تجري في ظل احتلال أجنبي؟

فريق محامي الدفاع يقولون إنه من منظور القانون الدولي لا يزال صدام حسين الرئيس الشرعي للعراق، ذلك أن نظامه لم يسقط على أيدي حركة شعبية داخلية وإنما بوساطة قوة غزو أجنبي تابعة لدولة شنت حرباً عدوانياً على العراق لا تستند إلى قرار دولي من الأمم المتحدة بناء على ميثاق المنظمة الدولية.

هذا بالطبع من الناحية القانونية، أما من الناحية السياسية فإنه يمكن القول إن صدام حسين كان استبدادياً دموياً كما يمكن القول أيضاً أنه ليس النموذج الأوحد من نوعه في العالم.

ومن ناحية أخرى فإنه لا تملك أي دولة حقاً لقلب نظام الحكم في دولة أخرى باسم إزالة الاستبداد وإلا لتحول العالم بأسره إلى فوضى دموية لا نهاية لها.

إن أولوية الشعب العراقي الآن هي تصفية الاحتلال الأجنبي من أجل استرداد السيادة الوطنية قبلا النظر في أمر محاكمة حاكم سابق.