منذ العام 2003 والولايات المتحدة الأميركية تسوق للشرق الأوسط الجديد فتضغط على هذه الدولة وتهدد تلك وترسم ملامح عالم جديد يتفق ورؤيتها والتي تتمحور في نقطتين لا ثالث لهما:
فتح الأسواق واختراق أي قلاع كانت لاتزال تتمسك بتلابيب الاشتراكية، وترويض الدول التي لاتزال ترفض لواء مناهضة إسرائيل. وهكذا نرى العداء الشديد والتلويح والوعيد لإيران وسوريا، وتوزيع المديح والإطراء لانظمة ديكاتورية، أو على الأقل يمكن وصفها بالبوليسية.
فإذا نظرنا إلى الحالة الإيرانية، نجد ان الحراك السياسي الذي يدور هناك وتداول السلطة وانتخابات مجلس الشورى والحركة الشبابية المتزايدة، على رغم ما تتعرض له من قمع من قبل جهات متطرفة، دليل على حيوية ديمقراطية وتعددية، وأن التشدد الذي يسيطر على خطاب السلطة في بعض الأحايين مجرد عارض.
ومع بدء الإدارة الأميركية الترويج لمشروعها، فهمت العديد من الدول مراميها فقدمت لها ما تريد، فإذا كانت أسواقها مفتوحة توجهت نحو التطبيع مع إسرائيل، واذا كانت من الدول «غير المتعاونة» اقتصادياً سارعت فقدمت تسهيلات استثمارية واستهلاكية لمنتجات أميركا.
وفي هذا السياق يمكن ان تندرج الخطوة السورية الأخيرة في فتح الباب أمام مطاعم الكنتاكي، وقبلها البيبسي كولا والكوكاكولا وقريباً الماكدونالدز وبيرغر كينغ.. و.. و.
وهنا أتذكر مطلع القرن الواحد والعشرين عندما تحمس العرب في بعض الدول العربية لهبة مقاطعة إسرائيل فكان من بعض الشركات السورية ان أنتجت مشروبات غازية «مناهضة» مثل أوغاريت..
وإن كان في حينه حاول البعض التشكيك في وطنية هذه المنتجات بالقول إن أوغاريت هي اسم تجاري جديد يتبع شركة البيبسي كولا، وسواء صح هذا الأمر أم لا، فإن هذه المنتجات تقلصت مبيعاتها حتى تكاد تندثر.
وهنا يحضرني منظر تلك الطوابير الطويلة التي سدت طرقات العاصمة السوفييتية موسكو أواخر العام 1989 مع فتح أول مطعم ماكدونالدز، وما قيل بعد ذلك بعامين وكانت بوابة انهيار الشيوعية، حيث خلبت لبّ الشباب الذي عاف الشيوعية وبات متشوقاً للرأسمالية، ومباهجها.
مهما يقال عن مشروع الشرق الأوسط الجديد فهو مشروع استثماري ـ تطبيعي. فلا قلق على الديمقراطية، ولا على الحريات، وعلى حقوق الإنسان. فماذا يمكن أن تقدم دولة غوانتانامو إلى دول يشكو مواطنوها من سجون يفوق عددها عدد المساجد أو حتى دور الرعاية الصحية.
وكل الخوف ان تنسى أميركا خلال الأعوام الثلاثة المتبقية من عهد الرئيس جورج بوش مبادئ الديمقراطية المعروفة ولا يبقى سوى المبادئ «الديمقراطية» التي يحملها مشروع الشرق الأوسط الكبير.
nidal@albayan.ae