ارتفعت مبيعات كتاب الدبلوماسي الأميركي السابق وليام بلوم «الدولة المارقة: المرشد لفهم القوة العالمية الوحيدة»، إلى مستويات غير مسبوقة خلال أيام معدودة. فالكتاب يكشف بشكل كبير عن حجم الممارسات الأميركية القمعية واللا إنسانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

يكشف بلوم في كتابه والذي دعا أسامة بن لادن الأميركيين إلى قراءته، وذلك في كلمته التي أذاعتها قناة الجزيرة مؤخراً، والذي يصل عدد صفحاته إلى أربعمئة صفحة، كيف أن الولايات المتحدة الأميركية قد أوهمت العالم لمدة تتجاوز السبعين عاما بوجود مؤامرة شيوعية عالمية.

الأمر الذي يتطلب تدخلها المستمر في كافة أنحاء العالم من أجل حماية الآخرين من الخطر الشيوعي القادم. لقد خلقت أميركا وهم الاحتياج بالحماية لدى الدول الأخرى.

وهو الوهم الذي لا يناظره سوى وهم الاحتياج بالحماية الذي خلقه الرجل لدى المرأة. وكلما زاد تصديق العالم بالخطر الشيوعي زادت مبيعات السلاح الأميركية من جانب، وزادت التدخلات الأميركية من جانب ثان، وانتشرت القواعد العسكرية الأميركية في كافة أرجاء المعمورة من جانب ثالث.

لقد استخدمت أميركا الوهم الشيوعي لمدة تتجاوز نصف القرن من أجل خلق حالة من الهلع في السياسة العالمية، وكانت هي من يمسك بخيوط الموقف العالمي، ويحدد درجات سخونته حسب مصالحها وحسب أهوائها.

وفي الوقت الذي كان من الممكن صناعة قدر ما من الاتفاق العالمي حول القضايا الكونية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، اختارت أميركا التصعيد على مستوى كوني غير مسبوق.

بحيث يمكن القول إن التصعيد الأميركي في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية كان هو السبب الرئيسي في جذب الاتحاد السوفييتي نحو التصعيد العسكري والأيديولوجي كرد فعل للمواجهات الأميركية المستمرة والمتواصلة.

وفي سياق هذا الوهم الأميركي يكشف بلوم كيف أن أميركا، منذ عام 1945 وحتى عام 2005، قد حاولت الإطاحة بأكثر من 50 حكومة أجنبية، كما أنها سحقت أكثر من 30 حركة شعبية مناهضة للأنظمة القمعية في بلدانها.

ومن خلال عمليات الإطاحة والسحق المتواصلة أودت أميركا بحياة الملايين من البشر، إضافة إلى الملايين الأخرى التي انتهى بهم الحال إلى العيش في ظل ظروف لا إنسانية من الفقر والحرمان والإعاقة.

ويرصد بلوم وضعاً يغيب عن أذهان الكثيرين يتمثل في أن أميركا لم تهتم بشكل كبير بأوضاع جنودها في كثير من مناطق العالم التي غزتها أو احتلتها مثل فيتنام وكوريا ونيكاراغوا وبنما وأفغانستان وأخيرا العراق.

حيث تشير العديد من التقارير إلى إصابة الآلاف منهم بالأمراض الناجمة عن استخدام الأسلحة المحرمة دوليا مثل الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية.

وإذا كانت أميركا لم تضع في اعتبارها إصابة الآلاف من أبنائها جراء استخدام هذه الأسلحة المحرمة دوليا فلنا أن نتخيل حقيقة ما تفعله في الدول التي تغزوها أو تحتلها.

يكشف بلوم كيف أن أميركا لم تساعد المجاهدين في أفغانستان بعد الغزو السوفييتي لها كما يشاع، بل إن الأمر قد تم قبل الهجوم بستة أشهر في محاولة أميركية من أجل استثارة الاتحاد السوفييتي على غزو أفغانستان والانتقام منه جراء مساعدته لفيتنام.

لقد قررت أميركا ساعتها أن تجعل من أفغانستان فيتنام ثانية لجنود الاتحاد السوفييتي، وهو الأمر الذي تم لها في النهاية، وربما هو الأمر الذي لعب دورا كبيرا في انهيار وسقوط الإمبراطورية السوفييتية فيما بعد ذلك بسنوات.

لقد قامت أميركا بذلك بغض النظر عن التدهور والانهيار الذي حدث في أفغانستان بعد ذلك، وبغض النظر عن مقتل ما يقرب من نصف السكان، وتشرد النصف الآخر.

لقد خرجت أفغانستان من الحرب وهي بلد شديد التخلف، يحكمه نظام الملالي بمساعدة حركة طالبان، الأمر الذي ساعد على تفريخ المزيد من الإرهاب والتطرف. لقد تم كل ذلك من خلال السيناريو الأميركي الشيطاني، ومن أجل أن تنتقم أميركا من الاتحاد السوفييتي.

ورغم كل هذه النتائج المفجعة واللا إنسانية للدور الأميركي في أفغانستان فإن مسؤول الأمن القومي في عهد الرئيس الأميركي السابق جيمي كارتر والمسؤول عما حدث في أفغانستان، بيرجنسكي، يفخر بما حدث هناك، بل يعتبره من أهم الإنجازات التي أودت بحياة الإمبراطورية السوفييتية.

وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع الكثير من القادة الأميركيين الذين يفخرون بإنجازاتهم العسكرية وتدخلاتهم في شؤون الآخرين مثل رونالد ريجان وكلينتون ومادلين أولبرايت وبوش الأب والابن. فالمسألة كلها بالنسبة لهم رهن بتحقيق الأهداف والمصالح الأميركية بغض النظر عما يحدث للآخرين.

وبغض النظر عن ملايين القتلى والمشردين. لقد خلقت السياسة الأميركية المعاصرة ومنذ نهاية الحرب العالمية الثانية معيارا وحيدا لها ألا وهو تحقيق المصالح الأميركية أولا وأخيرا بغض النظر عن أي شيء آخر.

تبدو الإدارة الأميركية من خلال كتاب بلوم أقرب للنظام العائلي المغلق على كل من يؤيد مصالح أميركا بغض النظر عما يصيب الآخرين. فمادلين أولبرايت، مندوبة أميركا السابقة في الأمم المتحدة، رأت أن مقتل نصف مليون طفل عراقي جراء العقوبات المفروضة على العراق أمر لابد منه في سبيل تنفيذ تلك العقوبات.

وهو الأمر الذي أوصلها إلى كرسي وزارة الخارجية الأميركية فيما بعد. وهو الأمر نفسه الذي تكرر مع لورانس سمر، الرئيس الحالي لجامعة هارفارد، الذي دعي إلى نقل الصناعات الملوثة للبيئة إلى الدول الفقيرة، والذي عينه كلينتون فيما بعد وزيرا للخزانة.

ويرتبط النظام السياسي الأميركي بسطوة الشركات الأميركية على صناعة القرار الأميركي، بحيث يمكن القول في النهاية إن الشركات الأميركية مارست دورا كبيرا في صياغة السياسة الخارجية الأميركية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن.

وربما تمثل وضعية الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني مثالا واضحا على هذا التداخل الكبير بين رأس المال والسياسة في أميركا الآن. وفي سياق هذا التداخل بين الاقتصاد والسياسة، واصل السياسيون الأميركيون الكذب بشكل مستمر وثابت.

فقتل الملايين من الفيتناميين، واستخدام النابالم ضدهم، وتدمير الآلاف من القرى الفيتنامية، تم بسبب عدم مشاركة الفيتناميين للقيم الإنسانية التي يؤمن بها الغرب بعامة، وترعاها نيابة عنهم الحضارة الأميركية بخاصة!!

وهى الادعاءات نفسها التي يطلقها الساسة الأميركيون في كل مرة يرتكبون فيها العديد من المجازر والقتل والتشريد غير المبرر؛ حيث يمنحنا كتاب بلوم العديد من الأمثلة في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا وأوروبا لما وصلت إليه ماكينة الكذب والإدعاءات الأميركية.

وإذا كان الاقتصاد يلعب دورا كبيرا في صناعة السياسة الأميركية الخارجية، فإن أجهزة الأمن الأميركية، وعلى رأسها وكالة المخابرات، قد أصبحت من محددات السياسة الخارجية المعاصرة.

وفي ضوء ذلك، فإن السياسة الخارجية الأميركية تتعامل مع العالم بوصفه كيانا مشبوها أولا وأخيرا، يجب استجوابه وتعذيبه وسجنه وقتله. لقد خلقت الولايات المتحدة الأميركية عالما موحشا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، تملأه الصراعات والقتل والتدمير ومبيعات السلاح المتدفقة.

فلم يعد للحوار مكان في السياسة المعاصرة، ولم تعد للإنسانية أهمية، حيث كرست أميركا مبادئ القتل والتدمير ونفي الآخر والتعذيب .

واستخدام الأسلحة المحرمة والاستعلاء والمصالح الضيقة الذاتية... إلخ من تلك المبادئ التي تدين بها الآخرين ليل نهار في إطار ترسانة الكذب الأميركية. وهو الأمر الذي يجعلنا نرى أن إرهاب بعض الأفراد والجماعات على خطورته يتقازم ويتضاءل أمام الإرهاب الأميركي المتعاظم والمتواصل عبر مسيرة تزيد على النصف قرن من الزمان.

كاتب مصري