تناولت بعض صحفنا المحلية الصادرة يوم الأربعاء الموافق 25 يناير 2006 خبر تجمع حوالي 23 مواطنة متزوجة من أجنبي أمام ديوان وزارة العمل والشؤون الاجتماعية احتجاجاً على قطع المساعدات الاجتماعية عنهن بحجة أنهن متزوجات ويتوفر لهن من يعيلهم ويرعاهن «الزوج»، بغض النظر عن شكل هذه الرعاية ومدى كفايتها لتوفير أساسيات الحياة الكريمة.

استمر تجمع أولئك النسوة لمدة ساعتين دون أن يستقبلهن أحد من المسؤولين بوزارة العمل، رغم وعود وزير العمل لهن بإيجاد حل لمشكلتهن، مما دعى إدارة رعاية حقوق الإنسان بشرطة دبي للتدخل، كعادتها في مثل هذه المواقف، لتهدئة الموقف وإبلاغ أولئك النسوة باهتمام الفريق ضاحي خلفان شخصياً بموضوعهن الإنساني الشائك. جميع أولئك النسوة يعانين من ظروف مادية صعبة تعيق تحقق أساسيات الحياة الكريمة لهن ولأولادهن.

وبالرغم من وجود العائل «الزوج الأجنبي» إلا أنه، وكما بينت لنا جريدة «البيان» في لقائها مع أولئك النسوة، أن أعلى دخل يوفره العائل لا يتجاوز الثلاثة ألاف درهم.

وهو مبلغ غير كاف لتوفير أساسيات الحياة الكريمة في ظل غلاء المعيشة الذي تعيشه الدولة، فكيف إذا وجد في هذه الأسر أطفال يعانون من أمراض مزمنة، علاجها مكلف مثل مرض الثلاسيميا والفشل الكلوي؟

لذا يصبح راتب الضمان الاجتماعي الذي توفره الدولة لهن أساسياً ومهماً، خاصة وأنه لا يتوفر لأبنائهن الرعاية الصحية المجانية ولا التعليم المجاني، ولا يكفل لهن القانون حق الحصول على بيت شعبي أو على منح الإسكان الحكومي، ماعدا حاملات جواز إمارة دبي.

وفي الوقت الذي نقرأ فيه خبر تجمع هؤلاء النسوة ومعاناتهن الإنسانية، نقرأ في نفس الجريدة وضمن أخبارنا المحلية عن صفقات تجارية محلية بمليارات الدراهم، وعن بناء مدن وتجمعات لمساعدة المنكوبين من نساء وأطفال العالم!!

وعن تبرعات هنا وهناك لرفع المعاناة عن المحتاجين والفقراء من أبناء الدول الصديقة والمجاورة!! مما يجعلنا في حالة حيرة وتأمل وتساؤل: أو ليس هؤلاء النسوة وأبناؤهن من المحتاجين أيضا؟

إن قوانين وسياسة الضمان الاجتماعي وضعت وأقرت لتقديم المساعدة لمن يحتاجها، ولرفع المعاناة عن المواطن (ذكراً وأنثي) حتى تتوفر له الحياة الكريمة التي تؤهله للمشاركة الفعالة في التنمية المجتمعية.

وفي حال عجز هذه السياسات الاجتماعية عن تحقيق الأهداف التي صيغت من أجلها، وثبوت عدم شموليتها، فإنه لابد لنا من وضعها في ميزان التقويم والتحقق من كفايتها وفعاليتها، ومحاولة تعديلها وإعادة صياغتها، فهي في النهاية من صنع الإنسان، ووضعت لرفاهية هذا الإنسان، وليست بقوانين إلهية مقدسة غير قابلة للتعديل.

كان الأجدر بوزارة العمل والشؤون الاجتماعية قبل أن تكون حريصة على تطبيق قانون الضمان الاجتماعي بحذافيره، وقطع الإعانة عن هذه الشريحة المحتاجة، أن تقوم بدراسة حالة هؤلاء النسوة الاجتماعية والتأكد من أوضاعهن المادية والاجتماعية.

ومدى حاجتهن للإعانة، والأضرار التي قد تترتب على مثل هذا الإجراء قبل أن تتخذه. أو ليس التأييد والدفاع عن حقوق المواطن الاجتماعية أحد أهم أهداف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية؟

نقرأ في جرائدنا المحلية عن تجمع نسوة يطالبن بأبسط الحقوق لحماية أطفالهن من خطر الفقر والمرض والحاجة، في الوقت الذي يناقش العالم تقرير الأمم المتحدة الأخير (2006) المتعلق بأوضاع الأطفال المهمشين المحرومين من الخدمات الأساسية مثل الصحة والتعليم، والمحرومين من الإحساس بالأمان والحماية بسبب الفقر، والحروب، والتمييز ضدهم.

وفي الوقت الذي تهيب الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية الأخرى بالعالم للبدء بأخذ مجموعة من التدابير لحماية هذه الفئة، نقوم نحن متمثلين في وزارة العمل والشؤون الاجتماعية بالعمل على حرمانهم من حق متواضع، والزج بهم إلي زوايا الفقر والحاجة.

وهم في أمس الحاجة لأن نمد لهم يد العون والمساعدة. إن أحد أهداف وزارة العمل والشؤون الاجتماعية تعزيز قدرات الأسر والمجتمع المحلي على حماية ورعاية الطفولة والشباب، وما اتخذته الوزارة من إجراءات تجاه هذه الفئة منافٍ ومتناقض تماما مع هذا الهدف.

اليوم وقفت أولئك النسوة للدفاع عن حقوق أبنائهن، فلذات أكبادهن، لأنه لا صوت لهؤلاء الأطفال غير صوت أمهاتهن، فمعاناة الأطفال دائما صامتة بحكم أن ظرفهم العمري لا يؤهلهم للتعبير عن حاجتهم ومعاناتهم، ومعرفة حقوقهم وواجباتهم.

ومن الأحرى بنا مؤسسات ومواطنين أن نقف جميعاً لرفع المعاناة عن هؤلاء الأطفال والشباب، وأن ننظر لهذه المشكلة بعمق ونتداركها قبل أن تتفاقم وتترك بتداعياتها الاجتماعية على المجتمع ظلالاً سوداء ستكلفنا الكثير.

نحن حتما لا نريد أن يتربي بيننا جيل حاقد ناقم لأنه حرم أبسط حقوقه، جيل يتحين فرص تدمير ذاته وتدمير المجتمع الذي يشعر بأنه يلفظه، ونحن قادرون أفرادا ومجتمعا على توفير البيئة الحاضنة لكل فرد، البيئة التي ستؤهلهم جميعا ليكونوا أعضاء منتجين وفاعلين، عاملين على تعزيز وتقوية مجتمعهم على كافة الأصعدة.

ان هؤلاء الأطفال أبناء الدولة، ولدوا على أرضها وتنفسوا هواءها ولا يعرفون مكاناً آخر يسمونه «وطني» غير هذه الأرض الطيبة التي احتضنتهم منذ نعومة أظافرهم، أرض السلام والمحبة، أرض العطاء، أرض زايد الخير الذي امتدت أياديه لمساعدة المحتاجين في أقاصي العالم.

والذي لا أعتقد أن أيادي من حملوا رايته وتربوا على فلسفته سوف تتردد اليوم في مساعدة هذه الفئة المحتاجة من أبناء المواطنات.

جامعة الإمارات