ما هي الفكرة الرئيسية التي يمكن أن تخطر في بال إيهود أولمرت وهو يقرأ ويسمع ويشاهد كيف يتعاطى زعماء العالم مع أرييل شارون؟ سيفكر أولمرت أنه من الممكن خداع الكثيرين، تستطيع أن تمضي عمرك كما تشاء.
وأن ترتكب ما طاب لك ارتكابه ثم تتظاهر بالتوبة، وتبدي الحد الأدنى من التعقل، فتتم مسامحتك على الماضي كله، وينصرف الجميع إلى تحضير مكان لائق بك في متحف العظماء الذين عرفهم التاريخ.
إن أولمرت خير من يعرف أن شارون، من أول مجزرة ضد المدنيين ارتكبها حتى لحظة «انسحابه» من غزة كان يتابع هدفاً واحداً: ضمان أقصى التوسع وحرمان الشعب الفلسطيني من حقوقه الوطنية المشروعة.
إلا أن الرجل سيدرك أيضا أن هذا التعظيم كله لشارون ليس بعيداً عن السياسة وليس محصوراً بالتقديم التاريخي للرجل. إن القصد منه هو أن تستمر الشارونية بعد شارون، وأن يحال دون انفكاك قسم كبير من الإسرائيليين عنها.
سيجد أولمرت نفسه، إذا حافظ على موقع حزب «كاديما» منتصراً من دون معركة ووريثاً لم يسع إليه فعلاً، إنه شخص معروف بقدر من التلون إلا أنه يعاني من فردية تجعله يفضل الابتعاد عن متاعب العمل الحزبي ويواجه صعوبات في العيش ضمن مناخ التسويات والتوافقات، ويتسلى الصحافيون الإسرائيليون، هذه الأيام، باسترجاع تصريحات له عبر فيها عن... «الضجر».
الضجر من السياسة، والضجر من الحرب، والضجر من القتال، والضجر من كونه نائبا. وليس مستبعدا أن يحاول بنيامين نتانياهو، على رأس «ليكود» شن حملة عليه مفادها أن المزاج الشخصي ليس سبباً من أجل «التنازل» عن «أرض إسرائيل».
صلة أولمرت ب«ليكود» أقوى من صلة نتانياهو. الأول «أمير» الثاني ليس كذلك. وتعني «أمير» في الحياة السياسية الإسرائيلية أنه مولود لأب كان من الرواد والمؤسسين والفاعلين في الحركة التحريضية الصهيونية.
والده، مردخاي أولمرت، كان عضوا في الكنيست لمرتين في بدايات نشوء الكيان الصهيوني وقد زامل مناحم بيغن واسحق شامير وغيرهما من «رجال العصابات» السابقين. دخل إيهود أولمرت السياسة مبكرا عبر حزب «حيروت» اليميني وتميز بأنه كان في الحادية والعشرين من العمر عندما وقف في أحد المؤتمرات مطالبا باستقالة مناحم بيغن بعد فشل انتخابي.
كان بيغن، في ذلك الوقت، الزعيم الكاريزمي لليمين القومي المتطرف، والمقاتل الخارج من الإرهاب اليهودي ضد العرب والبريطانيين إلى مقارعة ديفيد بن غوريون. لقد كلفه التجرؤ الابتعاد عن الحزب نحو أحد روافده ولكنه تلقى مكافأة بأن انتخب نائبا عن «الوسط الليبرالي» وعمره 28 سنة.
ولقد تميزت نيابته، لاحقاً، بضعف الهم التشريعي لديه وانصرافه إلى قضايا من نوع خاص. لقد اختص مثلاً، وهو الشغوف بكرة القدم، بمحاربة الفساد في عالم الرياضة، بالتصدي للجريمة المنظمة. ولم يمنعه ذلك من أن يتهم، غير مرة، ويحاكم، بتهمة الاستفادة من صلاته بذوي الأموال.
أحب أولمرت أن يعيش حياته كبورجوازي. يحب الأسفار كثيرا. يفضل الهوايات المكلفة. يهوى المطاعم الفاخرة. يصادق الأثرياء، وبشكل خاص الأثرياء اليهود الأميركيين، مثل ايرفينغ موسكوفيتز ورون لاودر، من الذين اشتهروا بدفع الأموال الطائلة تشجيعا لحركة الاستيطان في الضفة الغربية.
احتكاكه بشارون بدأ في 1999، عندما نافسه على زعامة حزب «ليكود» إثر تنحي نتانياهو بعد هزيمته أمام إيهود باراك. خسر أولمرت المعركة لكنه حاز على حوالى 30 في المئة من الأصوات، إلا أنه سرعان ما تقرب من شارون لاكتشافه تناغماً معه.
فالاثنان، مثلاً، عارضا معاهدة كامب ديفيد، وساجلا ضد فكرة «الأرض مقابل السلام»، والاثنان حاولا الدفاع عن اليمين القومي في وجه المتدينين ومشاريعهم.
إلا أن نقطة الجمع الأساسية تبقى، بلا شك، الهوس الاستيطاني الذي تحكم بهما. فشارون، في أي وزارة، هو وزير الاستيطان، أولمرت، في رئاسته لبلدية القدس من 1993 إلى 2003، كان شديد الاندفاع نحو تهويد المدينة وضواحيها.
إنه هو من بنى هار حوما، وهو المتحمس للنفق تحت الحائط الغربي، وهو المقرر في إغلاق «بيت الشرق» (برغم أنه سبق له في عام 87 أن قابل فيصل الحسيني في منزل الليكودي المنشق موشيه أميراف).
عندما التصق أولمرت بشارون حصل أمر غريب بعض الشيء. فشارون المعروف عنه أنه «البلدوزر» اكتشف أنه في حاجة إلى كاسحة ألغام. وكان أولمرت هو تلك الكاسحة التي سمحت لشارون أن يجتاز عدداً من المصاعب.
لقد فاز ضد باراك على أساس برنامج الاستيطان والضم ضد برنامج الانفصال عن الفلسطينيين في «غزة أولا» من طرف واحد فإذا به يتبنى البرنامج الذي كان نجح في هزيمته.
لقد اكتشف شارون، بمساعدة من أولمرت. ان من يريد التوسع في الضفة، ومن يريد استغلال الظرف الدولي والإقليمي الحالي، ومن يريد كسب عطف الإدارة الأميركية، عليه أن «يتحرر» من غزة.
إن الخروج من القطاع بات شرطاً من أجل الثبات في القدس ومستوطنات الضفة وضم المناطق الأمنية والاستيلاء المديد على غور الأردن ومناطق أخرى ذات أهمية بالنسبة إلى إسرائيل فضلاً عن رفض حق العودة ورفض التفاوض، والإلغاء الكامل للتسوية الدائمة و«العادلة».
إلا أن المشكلة، اليوم هي أن الشارونية من دون شارون ستعاني صعوبات حتى لو حقق أولمرت فوزاً انتخابياً، لقد ورث ليفي اشكول ديفيد بن غوريون، وورث جورج بومبيدو شارل ديغول ولم يستطع الوريثان لا حفظ أرث من سبقهما ولا استكمال ما بقي ناقصا في برنامجه.
إن قامة أولمرت لا تصل إلى مستوى شارون. ولذا ليس مستبعداً أن يكون السيئ الذي كنا نتوقعه من شارون هو الأسوأ الذي سنعيشه مع خليفته.
كاتب لبناني