قال الشعب الفلسطيني كلمته أول من أمس. قالها صريحة، واضحة، لا غبار عليها. بشهادة المراقبين المحليين والأجانب كافة، ووسائل الإعلام على اختلافها. كانت ممارسته لحقه ـ بل لواجبه ـ الانتخابي، نموذجية. طبعاً بمعايير ساحته وظروفها المعروفة. حصلت استثناءات ومناوشات هنا أو هناك. لكنها بقيت في حدود الحالات الهامشية، معدومة الأثر ولم تفسد العملية واستقامتها.
المخاوف من وقوع انتهاكات أو صدامات كانت في غير محلها. بالأحرى، أفشلها التزام الناخبين وأصحاب القرار بتمرير يوم انتخابي هادئ، سلمي ونموذجي. فكانت نسبة المشاركة قياسية والمنافسة حضارية والأجواء الأمنية صافية.
كل ذلك بروح انضباطية عالية؛ يا ليتها تبقى مقيمة في هذه الساحة فلا تغادرها؛ لأنها بأمس الحاجة إليها. إذاً انتخب الفلسطينيون وتركوا لصندوق الاقتراع أن ينطق بالنتائج التي أدت إلى فوز حماس ، حتى هذه النقطة كسبوا جائزة. القاصي والداني اعترف بجدارتهم بها.
الآن هم أمام الجائزة الثانية. في الواقع أمام الجائزة الأولى من حيث القيمة والأهمية. وهي تتوقف على الكيفية التي يزمع الفلسطينيون رأياً عاماً وقوى وقيادات التعامل بها مع هذه النتائج. فالمشهد السياسي الذي جاءت به هذه الأخيرة، جديد. تركيبته، بقطع النظر عن الجهة الراجحة كفتها فيها، غير مألوفة.
وبذلك فهي تفترض أن قوانين اللعبة طرأ عليها تعديل، إن لم يكن تغيير. الأمر الذي لابد أن ينعكس على مجرى الصراع السياسي الداخلي وقنواته؛ كما على إدارة الصراع مع الاحتلال.
وليس خفياً أن هناك عوامل خارجية عازمة على توتير المعادلة الفلسطينية الجديدة؛ عبر «الفيتوات» والتحريض، ناهيك عن الشروط التعجيزية المتوقع أن تتزايد وتتصاعد وتيرتها. ولا شك أن الوضع الفلسطيني ينتظر أن تنهمر عليه مثل هذه التعقيدات.
وغني عن القول إن التماسك الداخلي ـ ضمن معادلة الصراع السياسي المشروع المحكوم بتغليب الصراع مع إسرائيل عليه ـ هو الشرط الموجب الذي لا بديل له لإفشال الهجمة المرتقبة على الوضع الفلسطيني الجديد.
وهذا بدوره مشروط بمدى القبول الشعبي والرسمي، لهذا الواقع. والعزم على تطويره وبلورة قواسمه المشتركة؛ بحيث تصير هذه الأخيرة بمثابة البوصلة للعمل الفلسطيني المقبل على مواجهة تحديات مصيرية.
خاصة في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية القريبة التي باتت محكومة بأن تتمخض عن واحدة من معادلتين؛ كلتاهما مرة بالنسبة للفلسطينيين: إما «كاديما» العازم على المضي في مشروع الفصل الأحادي الذي كان أطلقه شارون؛ أو الليكود النتانياهوي المصمم على سياسة الاقتلاع والمصادرة.
الكرة، مرة أخرى، في الملعب الفلسطيني لإثبات قدرته على صون وتعزيز مكتسباته وتحصين صفه الوطني. وهذه فرصة عليه ألا يضيعها.