يثير إصرار بعض الصحف الدنماركية والنرويجية على الإساءة إلى نبي الإسلام الرسول محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم تساؤلات كثيرة عن مدى تدني القيم الإنسانية في الضمير الجمعي في الغرب.
وعمق حالة العطب التي تنخر في ثمرة الحضارة الغربية، التي استكانت في نهاية المطاف لوضع «الأسير» وارتهانها لخطاب الابتزاز الصهيوني، لدرجة أعمت أبصار الغربيين، وطمست على بصيرتهم، وحالت دون رؤية سطوع شمس الحقيقة.
وأغرقتهم في أوهام استعداء الإسلام، وتشويهه، والتنكر لميراثه الحضاري وإسهامه في إخراج أوروبا من ظلمات عصورها الوسطى. واستنقاذ مفكريها وعلمائها من سطوة وجبروت «الاكليروس» الكنسي الذي احرق الفيلسوف جوردانو برونو، وعذب العالم جاليليو لإجباره على التخلي عن القول بـ «دوران» الأرض حول الشمس.
موجة الإساءة إلى الإسلام في الدنمارك والنرويج والولايات المتحدة الأميركية، يختلط فيها الدين بالسياسة، وبمعنى أكثر وضوحاً ينصهر في أتونها العداء والعنصرية الصهيونية بركام الميراث الصليبي أو النتاج الحديث للمسيحية الصهيونية، وأطروحات المحافظين الجدد وأصدقائهم الليكوديين.
والصلة والنسب والمصاهرة واضحة ليست بحاجة لإثبات بين أطراف الحلف الدنس الذي يتطاول على الإسلام ونبيه الكريم آخر الرسل وخاتم المرسلين، نبي الرحمة المهداة، سيدنا ومولانا وشفيعنا يوم القيامة محمد صلى الله عليه وسلم، لكن كل من يتخاذل عن رد الإساءة عنه ونيل شرف الدفاع عن كرم ونبل وتفرد إنسانيته مذموم ومنقطع النسب ومثله كمثل «الابن الضال» أو كمن مسه الشيطان يتخبط في خطاه على غير هدى.
والصحيح أن الرسول ليس في حاجة لمن يذكر بمناقبه وسماته وقيمه العليا فهو «على خلق عظيم» وتجسيد للإنسان الكامل، وله العصمة كهبة إلهية تعصمه عن دنايا البشر، لكننا كمسلمين أولا وشركاء في الإنسانية للآخرين من أتباع الديانات السماوية وحتى العقائد الأرضية والوثنيين منهم، مأمورون بأداء مهمة دفع الأذى ورد الإساءة ليس عن الإسلام فقط.
بل عن كل الأنبياء والرسل، ليس بوصفهم «أمواتاً» على النحو الذي استند إليه صاحب الفضيلة شيخ الأزهر الشيخ محمد سيد طنطاوي أثناء استقباله لسفير الدنمارك بالقاهرة الذي جاءه محاولاً التنصل من نشر صحيفة دنماركية رسوماً كاريكاتورية مسيئة للرسول.
فما كان من طنطاوي إلا أن قال «الإساءة إلى الأموات تتنافى مع المبادئ الإنسانية الكريمة، سواء كانت الإساءة إلى الأنبياء أو المصلحين أو غيرهم»... هذا بالحرف كلام شيخ الأزهر كما نقلته عنه وكالة الأنباء المصرية.
وهو كلام أضعف من مستوى رد الإساءة، فضلاً عن انه ينزع عن الرسول مكانته التي تحتم علينا صونها عن التجديف أو التخرص أو التطاول.
ولو صدر مثل هذا الكلام الذي لا يرد يد متطاول عن أي شخص آخر لكن له العذر، أما صدوره عن المرجع الديني فهو أمر مثير للحيرة والارتباك والذهول، وحسناً فعل مفتي مصر الدكتور علي جمعة بقوله «الرسول حي بيننا، ونقتدي به، ولا يمكن المساواة بين الرسل والمصلحين أو أحاد البشر».
والمجال لا يتسع للتذكير بأن التقاعس عن الدفاع عن ثوابتنا ومقدساتنا يغري الهمل من الأعداء على الاستئساد علينا وأهانتنا، ويشجع النكرات على الاستهزاء بكل ماله قيمة، ويبدو أن هذه إحدى سمات هذا الزمان.
لكن في فترة ماضية، لم يكن العلماء يتخاذلون عن أداء فرض وشرف الغضب دفاعا عن مقدساتنا، ففي مطلع القرن الماضي عندما استقبل خديوي مصر الشاب الأزهري الضرير طه حسين قبل سفره إلى فرنسا للحصول على الدكتوراه، وجدها خطيب الجمعة في مسجد في حي عابدين ملاصق للقصر الملكي فرصة لنفاق الحاكم.
وقال «لم يعبس أو يغضب عندما جاءه الأعمى» ووقف الشيخ احمد شاكر والد المحقق والعلامة محمود شاكر وطالبه بالنزول عن المنبر قائلا له «كفرت ولا يجوز الصلاة خلفك، فلقد عرضت بأشرف خلق الله» .
ولم يخش شاكر غضب الخديوي، لأنه كان يؤدي فرض رد الإساءة عن النبي، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وحسبنا الله ونعم الوكيل.