«من نكد الدهر... أن» عبارة جاءت في خطاب حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني الذي ألقاه بتاريخ 22/01 عندما كان يتحدث عن الشؤون الداخلية اللبنانية والإقليمية لا سيما فيما يتعلق بملف المقاومة في لبنان ومزارع شبعا وإسرائيل باعتبارها عدواً للبنان واللبنانيين والعرب جميعاً.
لقد استوقفتني هذه العبارة المعبرة كثيراً حينما استخدمت في خطاب سياسي قوي ومن رجل قائد نجح خلال العقدين الماضيين أن يقود بلده إلى التحرير على قاعدة الصمود والصبر والصلابة ونحو هدف واحد نبيل ألا وهو دحر الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان.
لقد جاءت هذه العبارة ليتساءل من خلالها نصر الله عما إذا كانت المقاومة ذات الهدف الواضح تحتاج إلى «شرعية» من بعض الأطراف في لبنان التي تنادي ليلاً ونهاراً بإنهاء المقاومة.
وتطالب المقاومين بإلقاء أسلحتهم بالرغم من وجود قوات الاحتلال الإسرائيلي في مزارع شبعا وبالرغم من وجود أسرى لبنانيين وعرب في السجون الإسرائيلية وبالرغم من وجود خروقات برية وبحرية وجوية إسرائيلية على الأرض والشعب اللبنانيين.
إنها العبارة التي تطرح التساؤلات التالية: هل أصبحت المقاومة في العالم العربي سواء كانت في لبنان والعراق وفلسطين بحاجة لمن يمنحها شرعية وهي أصلاً مشروعة وشرعية طبقاً للشرعية والقوانين الدولية وجميع الأعراف والأديان؟
بل هل أصبحت المقاومة بكل أشكالها وخاصة المسلحة منها تهمة تحتم على رجالها وقياديها أن يجدوا المبررات والمسوغات ليقوا أنفسهم من احتمالية أن يقفوا متهمين بتهمة الشرف والقدسية؟
أم هل أصبحت المعايير الحداثية للمقاومة والتي تندرج تحت سقف الشعارات الدولية الجديدة باسم «الديمقراطية» و«التنمية» و«الحريات » و«الشرق الأوسط الجديد» هي السائدة؟
وكيف يمكن لشعب أن يتحدث عن هذه الشعارات الواهية والزائفة بينما لا تزال تعيش الشعوب والأوطان في العالم العربي تحت سقفين لا إنسانيين ولا شرعيين وكلاهما مستورد:
الاحتلال المباشر في جزء من منطقتنا العربية كما هو الحال في فلسطين ولبنان وإسرائيل، واحتلال غير مباشر في جزء آخر من المنطقة عن طريق الهيمنة السياسية والاقتصادية والعسكرية؟
يبدو أن نصر الله محقاً في تخوفه من أن المقاومين في العالم العربي قد يأتي عليهم الدهر ليعلقوا على أعمدة المشانق بدلاً من هؤلاء الذين لا يرون في التعامل مع أعداء الأمة خيانة.
هذا التخوف له ما يبرره لاسيما وأن أصواتاً عربية عالية صادرة عن بعض الأطراف في لبنان وفي بعض الدول العربية تجهر علناً بأن إسرائيل ليست عدواً للعرب .
وهذا يقود لنتيجة واحدة مفادها أن الأراضي العربية المحتلة من قبل إسرائيل لم تعد تستحق التضحيات الجسيمة التي تقدمها المقاومة في لبنان وخارج لبنان، وأن الحلول السياسية هي فقط الطريق الناجعة لاستعادة الحقوق الوطنية.
هذا طبعاً إذا استثنينا من نقاشنا أطرافاً أصبحت لا تخجل من الادعاء بأن الأراضي المحتلة في لبنان ليست لبنانية وأن المقاومة لم يعد لها مبررات الاستمرارية.
المشكلة الأخرى التي بدأنا نسمع عنها بشكل مستمر ومصدرها بعض الأطراف في لبنان تكمن في اتهام المقاومة اللبنانية بالولاء لسوريا وإيران وباتباع أجندتهما السياسية والعسكرية، الأمر الذي يصل إلى حد ارتكاب الخيانة العظمى بحق لبنان والشعب اللبناني. لا شك أن تلك الأطراف تعاني إحدى المشكلتين المزمنتين هما:
أن تاريخها لم يعرف المقاومة والنضال ضد الظلم الكبير الناتج عن الاحتلال، أم أنها عرفت النضال والمقاومة ولكنها سرعان ما شعرت بالإنهاك وسعدت بالوعود القادمة من الخارج البعيد جاهلة أو متجاهلة التداعيات الخطيرة المترتبة على هذه الوعود.
لذلك لم يعد غريباً أن ينادي البعض جهارة بتغيير نظام عربي هنا أو هناك وأن يطلب من قوى دولية القيام بهذا التغيير.
الحقيقة إن متابعة الأحداث الحالية في المنطقة العربية عامة وفي لبنان خاصة تجعلنا ندرك أن هذه الأحداث والظروف المحيطة بها وتفاعلاتها القريبة والبعيدة ليست وليدة اليوم ولكنها اشتدت وطأة في السنوات الاخيرة.
إنه النظام العالمي الجديد الذي أعلنه الرئيس جورج بوش الأب في خطابه الشهير في مارس عام 1992 بعد تحرير الكويت عندما ذكر أن دولاً ستنشأ ودولاً أخرى ستختفي، الأمر الذي خلق آمالاً كبيرة لإمكانية إحلال السلام في الشرق الأوسط وإعلان ولادة فلسطين.
ولكن هذه الأمال تلاشت سريعاً أمام فشل السلام وإعلان إسرائيل الحرب على الشعب الفلسطيني المنتفض وإعلان واشنطن الحرب على الإرهاب وأخيراً الاحتلال الأميركي للعراق.
وبات واضحاً أن المضمون الحقيقي للنظام العالمي الجديد هو الفوضى العالمية الجديدة أو كما أسمتها إدارة الرئيس بوش الحالية «الفوضى البناءة» لأنه لا يوجد في حقيقة الأمر نظام عالمي على الإطلاق.
إن تطورات الوضع اللبناني كأحد إفرازات هذا الواقع الدولي الجديد منذ صدور القرار 1559 حتى مقتل الرئيس الشهيد رفيق الحريري وتشكيل لجنة التحقيق الدولية.
وما ترتب عليها من صدور قرارات دولية جديدة تهدف للنيل من المقاومة ومن لبنان ومن سوريا. إنها تريد بكل وضوح أن تجعل من سوريا عدواً للبنان ومن إسرائيل حليفاً للبنان.
أي أن القوى الدولية النافذة وحلفاءها في لبنان يستهدفون سوريا ولبنان ضمن مشروع متكامل يقوم على إعادة صياغة التحالفات الاستراتيجية في المنطقة تلبي في النهاية تطلعات إسرائيل لا سيما دورها المستقبلي في المنطقة والذي لا يمكن تحقيقه دونما وجود علاقات إسرائيلية ـ عربية.
وبناء عليه، إن المقاومة هي وسيلة من الوسائل المتاحة لدى الشعوب للتمسك بالعقيدة وبالمبادئ وبالمصالح وبالثوابت الوطنية والقومية.
وأن التخلص من المقاومة قبل تحقيق الأهداف المتفق عليها وطنياً هو خطأ استراتيجي يدفع ثمنه ليس الأطراف التي تسعى لذلك، بالطبع لأنها تسير وفق أجندة خاصة ووفقاً لعلاقاتها مع الخارج، بل الشعب والوطن والأجيال القادمة.
وأن أقصى ما يتمناه الإنسان العربي في هذا الدهر ألا يخسر ورقة المقاومة التي هي آخر أوراق القوة بعد أن خسر العرب أوراقاً مهمة كثيرة كان على رأسها ورقة الدفاع العربي المشترك.
isam997@hotmail.com
كاتب وباحث سياسي