عندما نشر الفيلسوف الفرنسي المسلم رجاء جارودي قبل بضع سنوات كتابه الذي كشف فيه التحريفات التي دسها أحبار اليهود عبر العصور على التوراة لم يصادر الكتاب فحسب بل إن المؤلف قدم إلى محاكمة وأودع السجن.
الآن ترفض الحكومة في الدنمارك اتخاذ أي إجراء ضد صحيفة دنماركية بشأن نشرها رسوماً كاريكاتورية تسيء إلى نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، لأنها، أي الحكومة، ترى أن الصحيفة تمارس حرية التعبير المشروعة.
والسؤال الذي يطرح هو: هل كان للحكومة الدنماركية أن تتجاهل الأمر على هذا النحو لولا أن لديها قناعة كاملة بضعف ووهن العالم الإسلامي في مثل هذه الأحوال؟
لم تكتف «جولاندز بوستن» أكبر الصحف في الدنمارك بنشر رسم كاريكاتيري واحد بقصد الإساءة المكشوفة إلى رسول الإسلام، بل نشرت 12 رسماً، كلها على أعلى درجة من القذارة والفجور. وعلى سبيل المثال فإن أحد هذه الرسوم يصور شخص النبي صلى الله عليه وسلم وهو يرتدي عمامة على شكل قنبلة.
لو اكتفت الصحيفة برسم واحد واعتذرت عنه في العدد التالي بعد رد الفعل الغاضب في أوساط الجالية الإسلامية في الدنمارك لجاز اعتبار الأمر هفوة إعلامية عابرة.
إنها إذن حملة، وأقبح من الحملة ذاتها ما ساقته هيئة تحرير الصحيفة كتبرير، فهي إذ تشير إلى عدد من رسامي الكاريكاتير أحجموا عن المشاركة في وضع رسوم توضيحية تسيء إلى نبي الإسلام في كتاب قيد الإعداد خوفاً من ردود فعل، فإن الصحيفة تدعي بأنها أرادت كسر عقدة الخوف الصحافي عن طريق ضرب مثل عملي.
وإذا سلمنا جدلاً بهذا المنطق الغريب فإننا نتساءل: لماذا لا تطبق الصحيفة الدنماركية وأي صحيفة أو وسيلة إعلامية أخرى في الغرب بشأن عقدة الخوف الغربية مما يقع ضمن تصنيف «معاداة السامية»؟
لماذا يبقى نقد الديانة اليهودية وكل ما يتعلق بتاريخ الأمة اليهودية من أحداث جدلية مثل «المحرقة النازية» من المحظورات المقدسة، بل ويعتبر جريمة يعاقب عليها القانون الجنائي في أوروبا والولايات المتحدة؟
إنه الاستهتار بالإسلام والأمة الإسلامية الناتج أصلاً عن تهاون بعض أنظمة الحكم في العالم الإسلامي، وما يتبعها من مؤسسات دينية.
إن أقصى ما ذهب إليه شيخ الأزهر في انتقاده للصحيفة الدنماركية من خلال اجتماع مع سفير الدنمارك في القاهرة انه «لا يصح الإساءة إلى الأموات بصفة عامة». وان الرسول محمد عليه الصلاة والسلام «ميت لا يستطيع الدفاع عن نفسه».
ولا شك أن السلطات في الدنمارك أدركت المغزى وراء هذا الضعف، فقد رفض رئيس الوزراء الدنماركي أن يستقبل 11 سفيراً للدول الإسلامية في العاصمة كوبنهاغن طلبوا المقابلة للتعبير عن احتجاجهم، ورغم ذلك تعزف الحكومات الإسلامية عن اتخاذ إجراء تأديبي بشأن الحكومة الدنماركية.
وعلى صعيد دولي فإنه على الرغم من أن لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة أصدرت بياناً وصفت فيه الإساءة الصحفية إلى نبي الإسلام بأنها «عدم احترام غير مقبول لعقائد الآخرين» فإن بوسعنا أن نتصور كيف من الممكن أن تعلن حالة طوارئ في الأمم المتحدة لو كانت الإساءة موجهة إلى عقائد الأمة اليهودية.
إن مثل هذا الاستهداف للإسلام كعقيدة دينية لن يساعد إلا في ترسيخ القناعة الشعبية في العالم الإسلامي بالأهداف الغربية الحقيقية لما يطلق عليه «الحرب على الإرهاب».