أكثر ما يلفت الانتباه في الأزمة السياسية الأخيرة التي مرت بها الكويت، هي حالة الثقة الجلية التي كان عليها الكويتيون وهم يعايشون يوميات الأزمة وتفاصيلها، يعلقون عليها، ويحللونها.
ويقلبونها على مختلف أوجهها، يختلفون في وجهات النظر، وفي تحديد عمق الأزمة وبعض جوانبها، لكنهم جميعا كانوا متفقين على حلها، وأنها لن تطول، ولن تصل بالبلاد أبدا إلى حافة الخطر.
وحسب ما جرى فإن مرد هذه الثقة كان يعتمد على أمرين، الأول هو ترك الفرصة كاملة للأسرة الحاكمة كي تحل المشكلة داخليا، والثاني هو وجود مؤسسات لها قول فصل فيما يجري، حين يأتي دورها.
وأعني هنا «مجلس الوزراء» و«مجلس الأمة»، اللذين أعطاهما الدستور حق المشاركة البناءة في أزمة من هذا القبيل، بما يحفظ للكويت أمنها، ويمنع قواها السياسية الفاعلة من الخروج عن الاختلاف إلى الخلاف والشقاق.
وجاء الحل بتضافر هذين الأمرين، إذ ان تنحية الشيخ سعد العبدالله سالم الصباح عن منصب الأمير الذي تولاه لمدة أسبوع واحد، تم عبر «التراضي» داخل الأسرة الحاكمة من ناحية، ومن خلال مجلس الأمة من ناحية ثانية.
فالمادة الثالثة من قانون توارث الإمارة تنص على أنه «يشترط لممارسة الأمير صلاحياته الدستورية ألا يفقد شرطا من الشروط الواجب توافرها في ولي العهد، فإذا فقد أحد هذه الشروط أو فقد القدرة الصحية على ممارسة صلاحياته، فعلى رئيس مجلس الوزراء بعد التثبت من ذلك، عرض الأمر على مجلس الأمة في الحال لنظره في جلسة سرية خاصة».
كما تقضي المادة نفسها بأنه «إذا ثبت للمجلس بصورة قاطعة فقدان الشرط أو القدرة المنوه عنهما، يقرر بأغلبية ثلثي الأعضاء الذين يتألف منهم انتقال ممارسة صلاحيات الأمير إلى ولي العهد بصفة مؤقتة أو انتقال رئاسة الدولة إليه نهائيا».
ولما كان الشيخ سعد ـ شفاه الله وعافاه ـ يعاني من أزمة صحية مزمنة، فإنه كان من الصعب على مجلس الأمة الكويتي، المعروف بجديته وفاعلية دوره في الحياة السياسية بالبلاد، أن يهمل هذا النص، أو يعطله، على حساب المصلحة العليا للكويت.
ومن ثم سارع المجلس بتنحية الشيخ سعد حين تأخر خطاب التنازل المنتظر منه، كما كان يصعب على مجلس الوزراء نفسه أن يغمض عينيه عن القانون.
وهو ما حدث حين وجه رسالة إلى مجلس الأمة يطالبه بعقد جلسة خاصة لتنحية الأمير الجديد من منصبه لعدم قدرته على ممارسة مهام منصبه. ولو فكر المجلس الوزاري في تجاوز القانون لحساب شخص بعينه، فإنه يدرك تماما أن أمرا كهذا لن ينطلي على البرلمان، ولن يمر من خلاله.
وما جرى في الكويت يعطي درسا مهما على أن وجود توازن نسبي بين السلطات في أي دولة، وترسيخ دور المؤسسات الحديثة، البرلمانية والقضائية والتنفيذية، كفيل بأن يجعل أي مجتمع قادرا على أن يعبر الأزمات السياسية الداخلية الطارئة بسلام، وبما يحفظ للوطن أمنه واستقراره، ويجنبه ويلات الصراع بين النخب.
والذي يمتد، في دول تعاني من فقر المؤسسات وعدم تغليب المصلحة العليا للوطن، إلى صراع شامل على مستوى المجتمع برمته، حين تسعى هذه النخب إلى استقطاب الجماهير الغفيرة إلى جانبها.
والدرس الأهم في تجربة الكويت الأخيرة أن السلطة التشريعية حين تكون قوية، بسند من الدستور، وبفعل الممارسة الواقعية، فإنها تمنع «التنفيذيين» مهما علت مناصبهم، واتسعت صلاحياتهم، من أن يتمادوا في الانفراد بالقرار،.
أو يتغولوا في السلطة على حساب مصلحة الأمة. فبمقتضى نص الدستور فإن «البرلمان» الكويتي، له سلطان على الحكومة، لأن كل وزير مسؤول لدى مجلس الأمة عن أعمال وزارته.
وإذا قرر المجلس عدم الثقة بأحد الوزراء أعتبر معتزلاً الوزارة من تاريخ قرار عدم الثقة ويقدم استقالته فوراً... ويكون سحب الثقة من الوزير بأغلبية الأعضاء الذين يتألف منهم المجلس فيما عدا الوزراء ولا يشترك الوزراء في التصويت على الثقة.
وبفعل الممارسة فإن البرلمان الكويتي هو كيان حي، يسهم بوضوح في الحياة السياسية للبلاد، ويشكل المكان الذي تدور فيه المنافسات السلمية بين أنصار مختلف التيارات السياسية.
وتستعيد الأذهان هنا ما دار في المجلس من مناقشات جادة أثناء طرح مسألة فتح قطاع النفط الكويتي أمام الاستثمارات الأجنبية، وما تم بين أروقته من احتواء لأزمة بين السنة والشيعة بعد أن تبادلا الاتهامات بشأن اعتزام الحكومة إغلاق جميع الجمعيات الخيرية التابعة للسنة والحسينيات التابعة للشيعة، عام 2002.
وإذا كان البرلمان منتخبا، ويعكس ألوان الطيف السياسي والاجتماعي في البلاد، كما هي الحال في الكويت، فإن هذا يفتح الطريق أمام المشاركة السلمية لكل المواطنين في حل المشكلات، عبر ممثليهم المنتخبين.
ومن ثم ينتظر الجميع الحلول القانونية والدستورية لأي مشكلة مهما بلغت حدتها، ولا يساند الناس أو ينصتوا إلى أي شخص أو جماعة تريد أن تحل هذه المشكلات، وتعبر تلك الأزمات، بطرق غير مشروعة لتحقيق مصالح ضيقة، على حساب الصالح العام.
مدير مركز أبحاث ودراسات
الشرق الأوسط ـ القاهرة